الرأي

فلنعط أمريكا فرصة؟

صالح عوض
  • 1946
  • 1

يسأل سائل وقد تجللت وجنتاه بشيء من الموضوعية والوقار المصنع، بل ومظاهر الحكمة واندلقت كلماته بتحذير وتعال: لماذا اساءة الظن بالأمريكان؟ لماذا لا تعطوهم فرصة لايجاد حل للقضية الفلسطينية؟ ثم هل يمكنكم ايجاد أي خطوة نحو تحقيق أي من أهدافكم بدون تدخلهم؟ ألم تعد أوراق اللعبة كلها بيد الأمريكان؟ فلنعط أمريكا الفرصة..

ولكي نكون شفافين تماما ينبغي المبادرة بالاجابة: ألم نجربهم خلال ستين سنة؟ ألم يعطوا الفرصة ولا يزالوا؟ ألم يتوصلوا إلى ما يريدونه من الفلسطينيين في جولات مكوكية من المفاوضات؟ هل حاول الفلسطينيون الوقوف في طريق تمددها الأمني والثقافي في المنطقة؟ ألم يسلّم الرسميون الفلسطينيون أوراقهم جميعا للإدارة الأمريكية؟ وانتهى الأمر بالقنصل الأمريكي لدى السلطة للتدخل في أمور فلسطينية تفصيلية..

قبل أكثر من عشرين سنة، أعلن جورج بوش الأب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، أنه لابد من ايجاد حل سياسي للقضية الفلسطينية يحقق السلام في المنطقة، وجاء موقفه هذا في الحين الذي أعلن فيه حربه على العراق.. وبالفعل تمت الدعوة إلى مؤتمر مدريد للسلام.. ولكن بعد أن كسر العراق في حرب الـ1991 أدارت الولايات المتحدة ظهرها للعرب، وتجددت التصريحات الأمريكية مع نهاية القرن الثاني في محاولة لانتزاع الإقرار بشرعية وجود الدولة الصهيونية بعد أن أصبح من الضروري التفرغ لملفات أخرى.. جاءت فترة بوش الابن وأعلن عن محادثة بينه والرب.. قال بوش الابن أن الرب أمره بالحرب على أفغانستان واسقاط الحكم فيها وفعل، وأمره الرب باحتلال العراق ففعل، وأمره الرب بإقامة دولة فلسطينية وأنه سيفعل كما طلب الرب.. كان الرئيس الأمريكي محرم الحرب يعد لعدوان واسع على العراق، فهلل حكام العرب وطبّلوا وقدمت الرسمية العربية أكبر تنازل تاريخي، ألا وهو مبادرة العاهل السعودي الملك عبد الله، والتي قدمها له الصحفي طوماس فريدمان، وفيها اعتراف بشرعية وجود الجولة الصهيونية.. ولم يكن ذلك إلا غطاءا لتدمير العراق واحتلاله.

الآن وبعد الحراك العربي الذي اختلط ربيعه بدخان فتن أمريكا وسموم خططها أصبح من الضرورة أن تخوض القوة النائمة التي سهرت الإدارة الأمريكية على انشائها معارك متعددة الأشكال قصد توجيه بوصلة المجتمعات العربية نحو اهتمامات تزيد تعقيد الأوضاع الداخلية.. ولا تضمن الإدارة الأمريكية استمرار الأوضاع كما هي في فوضى “خلاّقة” إلا إذا اطفأت جذوة القضية الفلسطينية وذلك من خلال تمرير اتفاق تسوية يقضي من السنوات، ما يكفي لتجذير حالات الانقسام في بلداننا العربية وتوسيع رقعة الصراعات الداخلية.

كلامنا هذا يعني أننا في حاجة ماسة لإدراك المنطق الأمريكي في التعامل مع ملفاتنا.. الأمريكان ليس فقط عديمي الاحساس بالقيمة الأخلاقية للتحالف والصداقة والإنسانية.. إنهم في سلوكهم المنحرف يتساوقون مع الغربيين عموما، ولكنهم يزيدوا عليهم أنهم كالذئب الذي يصاحب الغنم.. هم لا يكتفوا بالتنّكر للتحالفات والمباديء والصداقات ولكنهم ينقضوا على صديقهم وحليفهم فيمزقون لحمه ويهشمون عظمه، ويدوسون على البقية منه ويسيرون لالتقاط صديق جديد يقضي لهم مهمة جديدة، قبل أن يناله ما نال سابقه من الافتراس.. هذا عنصر أساس في منطق تعامل أمريكا معنا، وهناك عنصر آخر يكمله ألا وهو أن الأمريكان يجيدون صنع المشاكل لكنهم لا يحاولون إغلاقها أبدا، فهم يستثمرون في استمرار المشاكل كما هو واضح في أفغانستان والعراق وليبيا واليمن وسوريا الخ.. بعد هذا أيّة فرصة يحتاجها الأمريكان كي يصادقونا؟

مقالات ذات صلة