فنانون تائهون وجمعيات تستنزف الإبداع الفني بولايات الجنوب
يسعى الفنان الغرداوي إلى إبراز الموروث الثقافي وحماية معالم الهوية الوطنية الجزائرية من أي دخيل عدائي، ويحاول بدوره الارتقاء بما جادت به مواهبه الفنية المتنوعة، سواء في الفكر أم الحرف أم في الكتابة أم في الشعر والتمثيل والموسيقى والرسم بالمجتمع إلى الرقي والازدهار الحضاري المنشود، إلا أن العديد من العراقيل والتعقيدات تعرقل تفجير طاقته المعطلة في ظل انعدام دار للثقافة في ولاية تاريخية.
كانت وزيرة الثقافة، صورية مولوجي، قالت في وقت سابق: “إن دور الفنان لا يقل عن دور الجندي المرابط على الحدود والمدافع عن ثوابت الأمة الجزائرية ومورثاتها الحضارية العريقة، فهو يزرع بذور الثقافة وتحصدها الدولة في المحافل العالمية الكبرى حول العالم، لتروج بذلك لثقافتها وتبرز موروثها وتثبت معالم حضارتها للجميع وترسم لهويتها السمعة الحسنة الراسخة”.
ويحاول الفنان المحلي في ولايات الجنوب الكبير وغرداية تحديدا، جاهدا لإبراز الموروث الثقافي ورسم معالمه في مختلف الفنون التي تسطرها أنامله الفنية المتنوعة، بداية بالكتابة إلى الخياطة (الزربية) ثم الرسم على الجدران والزجاج، فضلا عن النحت والشعر، ولا يتأتى ذلك في حال من الأحوال إلا بإيجاد أرضية خصبة توفر له الجو الملائم لممارسة نشاطه الفني والإبداع فيه بحسب توضيحات عدد ممن تحدثوا لـ” الشروق”.
لقد تقدمت “الشروق” للاستفسار أكثر عن واقع الفنان المحلي بولاية غرداية من خلال تتبع ظروفه الفنية التي يعيشها كل يوم ومعرفة أهم الاحتياجات التي يفتقر إليها في مجالهم الفني الثقافي بمختلف أنواعه، وكافة المطالب التي يسعون لتحقيقها.
البيت الملاذ الجيد لممارسة الأنشطة الفنية:
ومن جملة ما يطالب به الفنان المحلي بولاية غرداية وغيرها من الولايات الجنوبية، مطلبه بتوفير فضاءات فنية متعددة النشاطات، تحتضن ممارسة نشاطاتهم الفنية والإبداعية، لما لها من أهمية كبيرة في تسهيل العمل الفني لديهم، فالفنان بولاية غرداية أضحى لا يجد إلاّ المنزل الذي يسكن فيه فضاءه الوحيد والأوحد لممارسة مختلف نشاطاته الفنية، ولا يستعمل إلا الأدوات التقليدية الترقيعية في صناعته، التي تأخذ منه وقتا كثيرا وجهدا كبيرا وهذا نظرا للحيز المكاني الضيق الذي يمارس فيه مهنته الفنية.
ولاية الإبداع والثقافة لا تملك دارا للثقافة
إن عدم امتلاك غرداية دار ثقافة لحد الساعة، أثار حفيظة الفانين وراحوا يستفسرون عن الأسباب التي تعرقل إنجاز دار ثقافة منذ نشأة الولاية، رغم ما تتمتع به من ثقافات متنوعة في مختلف المجالات، التي بإمكانها بحسبهم أن ترقى بالثقافة الوطنية إلى مصاف المحافل العالمية مستقبلا، حيث أضحى التواصل بين الإدارة والفنان صعب جدا في ظل غياب دار ثقافة، بالرغم من وجود المرسوم رقم 74-244 المؤرخ في 22 ذي القعدة عام 1394 الموافق 06 ديسمبر سنة 1974، الذي نشر نص مادته بموقع وزارة الثقافة، الذي تقرر فيه إقامة في كل ولاية دار للثقافة، الذي ينص في فحواه على “أنه من أجل المساهمة في تنمية ثقافة محلية وطنية شعبية، وذلك بالعمل على توسيع أوجه النشاط الثقافي وجعلها اللامركزية من خلال نشر الإنتاج الفني والأدبي والتعرف على الإنتاج الأجنبي، بتنظيم تظاهرات ومعارض ثقافية وفنية تكشف على التراث الثقافي الوطني، ولتحقيق أهدافها تسعى لإنشاء نواد متنوعة تتكلف بالتعليم الفني والتسلية الثقافية لتشجيع وتسهيل اللقاء والحوار بين الجمهور والمبدعين من فنانين، مفكرين وغيرهم، إضافة إلى إعارة الكتب والوثائق والمساهمة في تنمية المطالعة العمومية، إلى جانب مشاركتها في التظاهرات الفنية المنظمة في البلاد أو في الخارج”، غير أن هذا النص لا وجود له في أرض الواقع في ولاية الفن والإبداع الإنساني، وإن وجد، فيتم خارج هذا الصرح الثقافي الذي تتمتع به كل الولايات حتى الجديدة منها كتقرت مثلا باستثناء غرداية.
الزربية هي المنتج الوحيد والأوحد الذي يتم تسويقه
من أكثر المعاناة التي أدلى بها الفنان الغرداوي لـ “الشروق” عدم وجود هيئة حكومية محلية تسهر على تسويق المنتجات الفنية المحلية المتنوعة، لأن التسويق سيساهم بحسبهم في الترويج لثقافة المنطقة في المعارض والأسواق التقليدية الوطنية والدولية، ويعطي الدافع القوي للفنان أو الحرفي بالاستمرار في عطائه الفني، فضلا عن القيمة الاقتصادية التي ستستفيد منها الولاية، لأن المنتجات الفنية والأدبية، بحسب المختصين، تعد موردا اقتصاديا ثمينا، فضلا عن موردها الثقافي الذي لا غنى عنه دائما.
ويضيف البعض ممن تحدثت إليهم “الشروق” أن صناعة الزربية تعد كنموذج حي ساهم في تحقيق هذا المورد الاقتصادي بجدارة وكذا الثقافي، مما انعكس على المنطقة بالكثير من الفوائد، وهذا ما يعززه ويراه الباحث في علم الاجتماع، “ب. محمد”، من منطقة غرداية “أن الزربية التقليدية ومثلما يعبر أي نمط عمراني عن منطقة ما، فإنها تعبر عن علامة هوية مهارات ورفاهية المجتمع ولمنطقة جغرافية محددة” بالإضافة إلى كافة العمليات التقليدية والحرف والفنون المتنوعة بالولاية ومدى الطابع الذي ستضيفه للمنطقة، فمثلما ساهمت الزربية في تحقيق الانتعاش الاقتصادي والثقافي والسياحي على المستوى الوطني الدولي والعالمي فستساهم أيضا الفنون والحرف الأخرى في تطوير المنطقة فهي بحاجة إلى دار للثقافة لتفجير الإبداع أكثر.
فنانون بلا هوية بعاصمة الفنون
من بين أكثر العراقيل التي يصادفها الفنانون تلك المتعلقة بإجراءات استلام بطاقة الفنان، فلكي يتم دفع الملف الخاص ببطاقة الفنان، يجب أن يرسل إلى مكتب مختص بولاية ورقلة لعدم وجود فرع بغرداية، ثم بعد ذلك يتم إرساله إلى العاصمة الجزائر، وهو ما يستغرق وقتا طويلا يدوم من سنة إلى سنتين، وهو ما يؤرق الفنان الغرداوي ويتعب كاهله.
جمعيات تنهب منتجات الفنان لسنوات
تذهب عدة جمعيات إلى عدم إنصاف الفنان المحلي مرده إلى قلة الدعم المالي الكافي له، مع عدم تأمين حاجياته المعروضة، وهو ما تسبب في تلف وضياع الكثير منها، فضلا عن مصاريف نقلها، التي تكون على حساب الفنان في عوض الجمعية.
ومعلوم ّأن الجمعية لها دور كبير في تنظيم عدة مهرجانات ثقافية تتنوع بتنوع نشاطاتها واختلافها، وللفنان نصيب من هذه الأنشطة، من خلال عرض مختلف منتجاته التي سطرتها أنامله الإبداعية، لتضفي على المهرجان طابعا خاصا تفتقر له الجمعية من حيث الترويج لصورتها أمام الضيوف وتحسين نشاطها ونجاحه، وهذا لا يتأتى إلا بنجاح العرض المقام في ذات المهرجان الذي يعتبر منتج الفنان ركيزة أساسية فيه.
متحف بوهراوة هيكل بلا روح
منذ ما يقارب عشر سنوات لم يشهد المتحف الثقافي النور بمنطقة بوهراوة أي نشاط، الذي كان من المفترض أن يكون قبلة فنية ممتازة تتبادل فيها مختلف أفكار الفنانين ومواهبهم المتنوعة، تعرض فيها كافة الفنون الجميلة، وتزداد المنافسة، التي بدورها تساهم في انتعاش ثقافة الفن بالمنطقة، ويتم من خلاله بروز الصدى الفني لدى الكثيرين، فالمطالب بفتح المتحف، أضحى لزاما نظرا لما سيقدمه من جرعات أمل وتفاؤل للفنانين، كما يساهم في التعريف بالمنتج الفني المحلي والترويج له وتحسينه، فضلا عن أنه سيكون ملاذ كل فنان كي يطور من قدراته الفنية ويجد فيه البيئة التي تساعده على المضي قدما في تحقيق مراده.
ومن جهته، أكد مدير الثقافة بولاية غرداية على ضرورة فتح دار ثقافة للفنان الغرداوي بالمنطقة، لما لها من دور فعال في تطوير مجال الثقافة والفن المحلي، وأردف محدثنا قائلا إنه بغض النظر عن إنجاز دار ثقافة هناك عدة مكتبات جاهزة ببعض المناطق كالعطف، واد نشو، لكن ليس لديها قرار الإنشاء الذي يكفل فتحها وهو ما يعرقل انتعاشها مجددا.
ولدى حديثه عن التسويق الفني، فقد صرح محدثنا بأن الوزارة قامت بفتح منصة الكترونية تسمى بـ “لوحتي” الفنية لكن تم غلقها لأسباب تقنية والحكومة تسعى جاهدة لاستحداث طرق للترويح والتسويق للمنتج الفني المحلي مستقبلا، أما بخصوص بطاقة الفنان، فأعرب نفس المسؤول أنه قد تم إرسال جميع الملفات الخاصة ببطاقة الفنان للوزارة الوصية كي تأخذها بعين الاعتبار، أما تأخر إعادة إرسالها فهو خارج عن نطاق المديرية.
وبخصوص عدم فتح المتحف بمنطقة بوهراوة، أجاب محدثنا بأنه بحاجة لقرارات وزارية تنص على فتحه من جديد.
وأمام هذا الواقع، فولاية غرداية تحتضن أكثر من 100 فنان في مختلف الفنون، بغض النظر عن الطابع السياحي الذي تتمتع به، غير أنها تبقى بعيدة عن المأمول، بينما يتمسك الفنانون بمطالبهم التي مازالت عالقة لحد الساعة.