فنانو الطّابع الغربي بالجزائر يختفون في صمت
تعاني الساحة الفنية الجزائرية، غيابا شبه كلي لمُغني الطّبوع الغربية، بعدما كانت في أوجّ انتشارها سنوات السبعينات. فأقتصر تواجدهم داخل قلة من المطاعم العائلية.
“الشروق” التقت فنانيْن إثنيْن مُبدعين في هذا المجال، لكن التجاهل جعلهما غير معروفيْن في الوسط الفني، في حين أنّهما من أهمّ المطلوبيْن للغناء بتونس والمغرب.
الأول يدعى محمد زيدوك معروف بالاسم الفني (محمد بانوراما) التقيناه نهارا بمطعم عائلي بمنطقة عين طاية بالعاصمة، كان يُمتّع الزبائن بوصلات غنائية، هو مبدع في جميع الطبوع الغنائية الجزائرية والشرقية إضافة للغناء الغربي (فرنسي وانجليزي) ، صوته المميز جعل مرتادي المطعم يتجاوبون معه كثيرا…
اقتربنا منه وسألناه عن فكرة غنائه بالمطاعم العائلية نهارا، خاصة وأن الظاهرة غير منتشرة بالجزائر، فأخبرنا أن بداياته كانت من الأعراس وهو في سن 25، ثم فكر في الغناء بالمطاعم، فكان يعرض خدماته على مطاعم بمنطقة حيدرة بالعاصمة، ” كنت أقصد أصحاب المطاعم مصطحبا آلة البيانو وأعرض عليهم الغناء في المطعم، كثيرون يرفضون الفكرة، أما البعض فيجربني، وغالبية من جرّبوني ساهمتُ في زيادة زبائنهم، ومع ذلك البعض لم يسدّد أجري، غنيت في مطاعم بابن عكنون، حيدرة، شراقة، زرالدة، ومع ذلك لا أملك بطاقة فنان….ومدخولي غالبيته من إحياء الأعراس. وتأسّف محدثنا للتجاهل الذي يلاقيه مغنو الطابع الغربي من وزارة الثقافة، “…هي غير مهتمة بالمواهب والأصوات الجميلة المحترمة، امتناني الكبير أوجه لمدير دار الشباب بباش جراح، قهام كمال الذي فتح لي الأبواب“.
ويستغرب محمد عدم استدعائه من وزارة الثقافة لأحياء الحفلات، “..يفضلون فناني الواي واي وأمثالهم…أما الغناء في المطاعم فلا يزال بعيدا عن ثقافة الجزائريين“، ومحدثنا يغني الآن بمطعم ببلدية دالي ابراهيم. ومن أسوأ ما يتذكره في رحلة غنائه، أنه قصد مرة مطعما عائليا بسكيكدة وعرض على صاحبه فكرة الغناء، صاحب المطعم قرّر تجريبه، فوجد انبهارا وإقبالا من الزبائن، ومع ذلك تهرّب من تسديد أجره، لاحقا بدأ زبائن المطعم يلحون على صاحب المطعم أحضار الفنان، فلم يجد إلا الاتصال بمحمد والاعتذار له مع وعده بتسديد أجره، لكن الأخير رفض الفكرة.
ومحمد وجد الأبواب مفتوحة له على مصراعيها في تونس، موفرة له المغريات المادية، ونداؤه لوزارة الثقافة أن تولي الأهتمام بهذه الفئة التي تؤدي الغناء المحترم. ثاني فنان التقيناه هو لونيس الهاشمي 54 سنة من ديار السعادة بالمدنية بالعاصمة، متخصص في الطبوع الغربية (فرنسي، انجليزي واسباني) إضافة للغناء العاصمي والقبائلي، بدأ الغناء في المطاعم منذ 1981 ، يقول ” ساعتها كان الطابع الغربي مُزدهرا بالجزائر، والعائلة الجزائرية تتذوّق كل الطّبوع وتقصد الحفلات، لكن هذا الطابع اندثر مع بداية التسعينات بسبب العشرية السوداء.
والهاشمي له صوت جد رائع، ومع ذلك هو غير معروف للجمهور، عن هذا يقول ” نحن جنود الخفاء وفرقتي المعروفة باسم ” الكاهيناس” كانت جد مشهورة بالعاصمة، ثم أُغلقت الأبواب في وجهنا، ولم يبقى لنا إلا عرض خدماتنا على المطاعم.
ورغم استمرار الهاشمي في الغناء فهو يلاقي التجاهل من وزارة الثقافة، يقول ” بقيت 3 سنوات في مدينة أغادير المغربية، غنيت بمطاعم فاخرة جدا، كان يدفعون لي أجرة مرتفعة مع توفير الأقامة والأكل وقضاء جميع حاجياتي اليومية… وهنا يتجاهلنا مسؤولي الثقافة، ويفضلون فنانين يخدشون الحياء بغنائهم وكلماتهم. ويصاحب الوناس في عمله، عازف البيانو المعروف فيصل المعلم. وعن سبب اختفاء مغني الغربي بالجزائر، أوضح أن فناني هذا الطابع اختفوا في صمت…كان لدينا عازف البيانو مالك إيماش، عبد الله بلدي، كريمو كال، حاج حمّو…في دول عربية رائدة سياحية لا تخلو مطاعمهم العائلية من فنان يوفر جوا مميزا للزبائن، وينعش السياحة المحلية والخارجية.
ولاحظنا مؤخرا أن بعض المطاعم بالعاصمة بدأت تهتم بالفكرة، حيث أدرج منذ أيام مطعم عائلي معروف بغابة بوشاوي بالعاصمة، وصلة غنائية لفنان يؤدي الطابع الغربي، وهو ما ساهم في ازدياد عدد مرتاديه.