فوز زهران ممداني: صدمة لترامب ولإسرائيل
لم يهضم دونالد ترامب فوز زهران ممداني بمنصب حاكم نيويورك وهي مسقط ترامب وإحدى القلاع العتيدة التي يعوِّل عليها الجمهوريون في الانتخابات التشريعية والرئاسية، ومباشرة بعد إعلان ممداني حاكما جديدا لعمدة نيويورك متفوِّقا على الجمهوري أندرو كومو المدعوم من ترامب والديمقراطي المستقيل من الحزب الديمقراطي والمستقبل، حسب تعبير الصحافة الأمريكية، سارع ترامب إلى تبرير ذلك بعدم حرص حملة المرشح الجمهوري على حمل صورته، وكأنه الخاتم السحري الذي يمكنه صناعة الفارق.
في 2023، قدَّم ممداني مشروع قانون بعنوان: “ليس بأموالنا” وهو مشروع قانون لإنهاء تمويل نيويورك لعنف المستوطنين (المغتصبين بالأحرى). ويشمل مشروع القانون، منع كل الهِبات والتبرُّعات التي يذهب ريعُها لخدمة الاستيطان والتشجيع على إبادة الفلسطينيين. وفي 2025، امتنع ممداني عن التصويت على القرار السنوي الصادر عن جمعية نيويورك الذي يحتفي بذكرى تأسيس إسرائيل.
لقد حاول كومو والمؤيدون له إقناع الناخبين بأن ممداني ليس الاختيار الأفضل لنيويورك ولأمريكا وللعالم على حدٍّ سواء، فيكفي أن انتخابه -كما قالوا- سيستدرج نيويورك إلى صدام مع البيض، وهذا لا يخدم مصلحة أمريكا هذا علاوة –كما أضافوا- إلى خطه الاشتراكي اليساري وخلفيته الإسلامية، إلا أن كل هذه المحاولات لم تفلح في إقناع الناخبين ولم تُثنهم عن اختيارهم، بل زادت من إصرارهم على خوض المعركة الانتخابية بكل شفافية واختيار الأقدر والأجدر لحكم ولاية كبيرة ووازنة بحجم نيويورك بغضِّ النظر عن انتمائه وخلفيته الدينية لأن الدستور الأمريكي يساوي بين الأمريكيين ويعاملهم على أساس المواطنة المشتركة وليس على أساس آخر أيديولوجي أو عرقي.
بفوز ممداني بعمدة نيويورك، برزت مظاهر القبضة الحديدية بينه وبين ترامب للوهلة الأولى، بل ربما قبل انتخاب ممداني، إذ كتب “آنا فاغوي” في عمود له بـ”بي بي سي نيوز عربي” ما يلي: “ذكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه “قد يمانع” في إرسال التمويل الفيدرالي إلى مسقط رأسه مدينة نيويورك، إذا فاز المرشح اليساري زهران ممداني، هذا الأسبوع، بمنصب عمدة أكبر مدينة في أمريكا”.
بالإضافة إلى مواقف ترامب المتشددة التي لم ترُق لشريحة كبيرة من الأمريكيين، فإن لموقفه من غزة وتأييده المطلق لإسرائيل هو الذي أدّى إلى تراجع شعبيته والتي أثَّرت بطبيعة الحال في تموضع الحزب الجمهوري الذي فقد كثيرا من معاقله القديمة التي آلت إدارتُها إلى الديمقراطيين على غرار فرجينيا ونيوجيرسي وبنسلفانيا… وفي هذا الصدد،كتب طارق الشامي وهو صِحافي متخصص في الشؤون الأمريكية والعربية في مقال له بـ”الأنديبندينت عربية” بعنوان: “أسباب وتداعيات انتصار الديمقراطيين في خمس ولايات أميركية”، وأوضح الشامي أن الجمهوريين أنفسهم وصولا إلى هرم السلطة الفدرالية ممثلة في الرئيس الجمهوري ترامب قد اقتنعوا بعد تبادل الاتهامات بشأن الهزيمة الانتخابية التي مُنيوا بها في نيويورك وأخواتها بأن القرارات الفدرالية وضعف مرشحي الحزب كانا السببين الرئيسيين في الفشل الانتخابي، بالإضافة إلى الوعود التي أطلقها ممداني بتقليص الهوة بين الطبقات الاجتماعية وفرض ضرائب على الشركات وأصحاب الأموال، وبحكم أن الطبقة الوسطى هي الفئة الغالبة والفئة المتضرِّرة في آن واحد، كل هذا راق للناخبين في نيويورك وساعد الديمقراطيين على كسب الانتخابات والفوز في ولايات أخرى كانت فيما سبق ولايات جمهورية بامتياز.
لا يتردد بعض المحللين العرب والمسلمين في إقحام عامل الانتماء الديني في العملية الانتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية ويقولون إن زهران ممداني هو أول مسلم يفوز بعمدة نيويورك مع علمهم أن كل هذا لا اعتبار له في القانون الانتخابي الأمريكي، بل الحسم يتوقف على قوة البرنامج الانتخابي الذي يقدِّمه المترشح ومدى قدرة هذا الأخير على إقناع الناخبين وتقديم حلول واقعية وليس وعودا انتخابية ينتهي أثرها بانتهاء العملية الانتخابية. صحيحٌ أن للعاطفة الدينية تأثيرا على المترشح، قد يصدُق هذا في بعض الأحيان وفي دائرة محدودة ولكنه لا يصدق في كل الأحيان، فرئيس الوزراء البريطاني السابق “ريشي سوناك” مسلمٌ من أصول هندية وقد هلل لانتخابه كثيرٌ من المسلمين وهذا مكسب لا يمكن نكرانه ولكن دعمه لإسرائيل سبَّب صدمة كبيرة للعالم العربي والإسلامي، وقد كتبت صحيفة “غارديان” البريطانية ما سمته “انتقاد لسوناك لدعمه لإسرائيل ولوزارة الخارجية التي همشت السفراء العرب”.كان سوناك متشددا جدا تجاه المسيرات المؤيدة لغزة وكان يرخِّص لبعضها ولكن بضمانات صارمة بطعم الرفض في حين أن “كير ستارمر” الذي لا يعرف باعتناقه لديانة معينة ولو أن التقارير تشير إلى ترعرعه في أسرة ذات خلفية يهودية،كان أكثر ليونة مع المسيرات وأشد حزما في المقابل تجاه إسرائيل، وفي عهده جرى الاعتراف بالدولة الفلسطينية في ظل حل الدولتين الذي وافقت عليه كثيرٌ من الدول، وفي عهده أيضا رُفع العلم الفلسطيني ولأول مرة في قصر باكنغهام.
تعيش في نيويورك وكثير من الولايات الأمريكية أعدادٌ معتبرة من الأمريكيين المسلمين واليهود وغيرهم، وتصويت اليهودي للمسلم وتصويت المسلم لليهودي لإدارة الشأن الداخلي ظاهرة مألوفة في الولايات المتحدة الأمريكية، فالمجتمع الأمريكي –كما عرفتُه عن قرب- خلال إقامتي التي ناهزت ستة أشهر في عدد من الولايات الأمريكية من كاليفورنيا إلى جورجيا إلى واشنطن وغيرها في إطار سفرية علمية في 2007، هو مجتمعٌ تعيش وتتعايش فيه كل الديانات، أقول هذا ليعلم القراء بأن الذين صوَّتوا لزهران ممداني من غير المسلمين نسبة لا بأس بها، ومنهم يهود ممن لا يؤيدون التيار الصهيوني ولا يحملون مواقف عدائية ضد الإسلام والمسلمين.
يمثل فوز ممداني بعمدة نيويورك مفاجأة غير سارة لترامب وللحزب اليميني المتطرف في إسرائيل، وقد ذكرتُ ما يكفي من الأسباب التي جعلت فوز ممداني مفاجأة غير سارة لترامب، أما بخصوص إسرائيل فحسبنا أن موقف ممداني الاشتراكي من الكيان الصهيوني موقفٌ تقليدي قبل وصوله إلى عمدة نيويورك، فقد أعلن تأييده لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على الكيان الصهيوني، وهذا رغم اعترافه في الجانب الآخر بحق إسرائيل في الوجود كدولة في إطار احترام الحريات وتكريس المساواة. وفي 2023، قدَّم ممداني مشروع قانون بعنوان: “ليس بأموالنا” وهو مشروع قانون لإنهاء تمويل نيويورك لعنف المستوطنين (المغتصبين بالأحرى). ويشمل مشروع القانون، منع كل الهِبات والتبرُّعات التي يذهب ريعُها لخدمة الاستيطان والتشجيع على إبادة الفلسطينيين. وفي 2025، امتنع ممداني عن التصويت على القرار السنوي الصادر عن جمعية نيويورك الذي يحتفي بذكرى تأسيس إسرائيل.