فوضى غير منظمة!
إزالة الأسواق الفوضوية لم تتمّ إلاّ بعد ما وفرت له السلطات المحلية “الغطاء القانوني”، وبعد سنوات من “المشاكل والشجارات” بين التجار “الفوضويين” والمواطنين الساكنين بالمنطقة، وكذا التجار الشرعيين الذين يسترزقون “قانونا” في محلات مفتوحة وتدفع الضرائب!
أخيرا، وقد لا يكون آخر، تمّ “القضاء” على سوق بومعطي بالحراش، وهو أهمّ وأكبر سوق فوضوية حسب التصنيف الرسمي وحتى حسب تصنيف الزبائن والتجار أنفسهم، وهذا النموذج هو مرآة لعشرات أو مئات العيّنات التي عمّرت لسنوات وتمّ تفريخها عبر كلّ البلديات والولايات، وتكيّف معها القانون، بدل ان تتكيّف هي مع القانون!
لكن، لنقل كلمة حقّ في الأسواق الفوضوية: أليست هذه الأسواق هي التي ضمنت “عيشة كريمة” لشرائح واسعة من المستهلكين الزوالية، وخلقت لهم البديل لتحقيق التوازن المالي وترويج ما يقدرون عليه من السلع والبضائع، ولعلّ المضحك في الموضوع، أن أغنياء وإطارات ومديري شركات خاصة وعمومية، كانوا يتزاحمون على مثل هذه “المارشيات”!
نعم، الأسواق الفوضوية، هي كيانات تجارية خارجة عن القانون، وفيها تـُروّج “الممنوعات”، وفيها يعيش البزناسية والسماسرة الكبار، وتروّج فيها حتى العملة المزوّرة والسلع المهرّبة وغير المفوترة والهاربة من الضرائب والمتهرّبة من الجمركة، لكن هل وفرت الجهات المعنية البديل!
لعلّ توفير البديل والحلّ، هو أصعب شيء في مواجهة أيّة مشكلة، وابتكار مخرج النجدة الذي يجنـّب الضحية والبريء المواجهة أو العقاب المشترك، ولذلك ليس غريبا لو تخوّف آلاف التجار الفوضويين من مصير مجهول وملغم، واشتكوا من غياب البديل، فإزالة المساحات التي كانوا يستغلونها، حتى وإن كان الاستغلال خارج القانون، بوسعه أن يجوّعهم ويقطع رزق أبنائهم!
مثلما كان من واجب “الفوضويين” أن ينظموا أنفسهم ويقنـّنوا تجارتهم، بحصولهم على سجل تجاري ودفع حقوق الإيجار ومستحقات الجمارك والضرائب و”كاسنوس”، كغيرهم من التجار المصرّح بهم، كان بالمقابل، من حقهم أن لا يُعاقبوا بالطرد و”قطع الخبزة”، وأن يُهيكلوا ولو بطريقة إجبارية، ولا يعتقد أيّ عاقل أن الأغلبية الساحقة من هؤلاء سترفض استلام محلات رسمية أو مساحات في أسواق منظمة، إلاّ من أبى واستكبر!
الفوضى تبقى فوضى حتى وإن كانت منظمة، لكن لا بديل للفوضى إلا التنظيم، والحلّ ليس في إلغاء الشيء وإزاحته، وإنّما في هيكلته وبرمجته وتكييفه مع ما يسمح به القانون، فأيّ منعرج ينتظر جزائريين نفعوا جزائريين آخرين؟