الرأي

في‮ ‬ذاكرة الوطن‮: ‬يوم الطالب ويوم الأستاذ

عبد الرزاق قسوم
  • 1923
  • 3

منذ ما‮ ‬يزيد عن ستة عقود من الزمن،‮ ‬أعلن الشباب الجزائري‮ ‬في‮ ‬مثل هذا اليوم من عام‮ ‬1956م،‮ ‬ثورته على الدراسة والتدريس،‮ ‬فهجر المقاعد ومزق الكراريس،‮ ‬وألقى بالطبشور والكتب في‮ ‬وجه الفرنسيين‮.‬

أدرك شبابنا في‮ ‬الثانويات والمؤسسات التعليمية أنّه قد حمى الوطيس،‮ ‬وأنّ‮ ‬ما‮ ‬يُقدَّم له من تدريس هو عدوان على عقله ونوع من التدليس‮. ‬فضّل شبابنا‮ -‬يومها‮- ‬على المقاعد دهاليز القصبة،‮ ‬ودروبها الوعرة،‮ ‬وشناخب جبال جرجرة وأريس،‮ ‬صارخا في‮ ‬وجه المعتدين بقول صالح خرفي‮: ‬

دعونا نسكن الغابات إنّا‮     ‬

‮  ‬وجدنا مسكن الغابات أحلى‮ ‬

ومن بِنِزالنا‮ ‬غرّته نفس‮        ‬

‮    ‬تركنا أمه،‮ ‬تبكيه ثكلى

كانت رسالة الشباب الجزائري‮ ‬إلى العالم أجمع فصيحة وصريحة،‮ ‬إنّ‮ ‬رائحة القنابل والبارود أجدى للوطن من رائحة الطبشور والحبر في‮ ‬ظلّ‮ ‬القيود‮. ‬حمل شبابنا‮ -‬إذن‮- ‬مقاليد المصير من أجل التغيير،‮ ‬فقدّم النفس والنفيس مستخدمًا إلى جانب التفجير كل ألوان التعبير‮.‬

احتدمت المعركة المصيرية في‮ ‬الجزائر‮ ‬يومها بين الطغاة والأباة،‮ ‬فتغيّر لون المعركة في‮ ‬شناخب الجبال،‮ ‬وتجدّد أسلوب المقاومة في‮ ‬المدن،‮ ‬وتخوم الرمال‮.‬

التحمت كلّ‮ ‬فئات الشعب داخل خندق النضال،‮ ‬فعمّ‮ ‬الوعي‮ ‬الوطني‮ ‬كلّ‮ ‬أبناء الجزائر من الشباب،‮ ‬والرجال،‮ ‬وذوات الحجال،‮ ‬فساد في‮ ‬المدن دوّي‮ ‬الانفجارات،‮ ‬وعلت في‮ ‬الجبال والأودية،‮ ‬والسّفوح شعارات التكبير الممزوجة بأزيز الطائرات وأصوات المدافع والرشاشات‮.‬

إنّ‮ ‬ملحمة الجزائر،‮ ‬يومذاك،‮ ‬لتمثّل إحدى أساطير المعجزات التي‮ ‬لاتزال إلى‮ ‬يوم الناس هذا مضرب المثل للشعوب السائرة في‮ ‬درب الخلاص،‮ ‬والتوّاقة إلى استعادة السيادة بكلّ‮ ‬أنواع المقاومة بدءًا بالرصاص‮.‬

وما كان لهذه الرّوح النضالية والإرادة القتالية أن تسود،‮ ‬لولا الدور الذي‮ ‬اضطلع به رسل الوعي‮ ‬الوطني‮ ‬من المعلّمين والوطنيين المخلصين من تحصين الذات ضدّ‮ ‬كلّ‮ ‬ألوان الانهزامية والاستسلامية فالمدارس الفرنسية الحرّة،‮ ‬هي‮ ‬التي‮ ‬كانت البديل لإعداد جنود الفداء،‮ ‬والتحرير،‮ ‬فكان مما‮ ‬يردّده تلاميذها آنذاك من أناشيد،‮ ‬نشيد محمد العيد آل خليفة‮: ‬

صوت بعيد المدى هل‮ ‬يجاب‮   ‬

بآذاكم للفدا بالرقاب

إلى الفداء إلى الفداء‮ ‬يا شباب

أو قول الشاعر الفلسطيني‮ ‬إبراهيم طوقان‮: ‬

وطن‮ ‬يباع ويشترى‮        ‬

‮   ‬وتصيح فليحيا الوطن

لو كنت تبغي‮ ‬حقّه‮         ‬

‮  ‬لبذلت من دمك الثمن

أو النشيد الفدائي‮ ‬الذي‮ ‬غيّر النفوس والعقول‮: ‬

يوم تدعى للجهاد‮      ‬

نصبح الجند الشدا

ونؤدي‮ ‬للبلاد‮   ‬

كلّ‮ ‬حق مخلصين

إنّ‮ ‬مثل هذا المناخ الوطني‮ ‬الذي‮ ‬أحدثته مدارس جمعية العلماء في‮ ‬أوساط الشعب،‮ ‬ولاسيما الشباب هو الذي‮ ‬كان خلف التجنيد والتأييد للثورة الجزائرية،‮ ‬واليوم وأعلام الجزائر خفاقة تذكر بكلّ‮ ‬التقدير والوفاء مناقب المعلّمين والمعلّمات الذين كانوا جسرا لتبليغ‮ ‬الوعي‮ ‬وقدرا لبلوغ‮ ‬السعي‮.‬

ويأبى الله إلا أن‮ ‬يلتحم‮ ‬يوم الطالب بيوم الأستاذ صانع الوعي‮ ‬الجماعي،‮ ‬ومجسّد الآمال لمنتهى المساعي‮. ‬ففي‮ ‬نفس اليوم أي‮ ‬العشرين من شهر مايو‮ ‬1965م ودعت الجزائر،‮ ‬رمز التعليم والفكر العلاّمة محمد البشير الإبراهيمي،‮ ‬الذي‮ ‬كان فريد زمانه في‮ ‬التبيين والبيان،‮ ‬ووسام النضال الوطني‮ ‬في‮ ‬العمل لتحرير الأوطان‮. ‬وإنّني‮ ‬لأعجب أن تهتّم الجزائر الرّسمية بيوم الطالب،‮ ‬وهو اهتمام مستحق،‮ ‬وتغفل ذكرى الأستاذ ملهِم الطالب وهو إغفال عديم المنطق‮.‬

إنّ‮ ‬الجزائر العميقة بثوابتها،‮ ‬ومكوّنات هويّتها لتذكر بكلّ‮ ‬تقدير ووفاء تضحيات الشباب الجزائري‮ ‬بعد هجره لمقاعد الدروس،‮ ‬ولكنّها تُذكِر بأنّه ما كان لهذا الشباب أن‮ ‬يتحلّى بالوعي‮ ‬الوطني‮ ‬المطلوب لولا الإعداد والاستعداد الذي‮ ‬اضطلع علماء من أمثال ابن باديس،‮ ‬والإبراهيمي،‮ ‬والتبسي‮ ‬وغيرهم،‮ ‬من العلماء العاملين الذين رسموا الطريق،‮ ‬وأنقذوا الغريق،‮ ‬وميّزوا بين العدو والصديق‮.‬

إنّنا لنذكر كلّ‮ ‬هؤلاء‮ -‬اليوم‮- ‬ونحن نحيي‮ ‬ذكرى‮ ‬يوم الطالب الذي‮ ‬يطّل علينا مفعمًا بكلّ‮ ‬معاني‮ ‬التضحية والإباء،‮ ‬والوفاء،‮ ‬ولكنّنا لا ننسى في‮ ‬غمرة هذه الاحتفالات المخلّدة ذكرى الأستاذ الذي‮ ‬كوّن وألهم،‮ ‬ودعا بالمنهج الأسلم،‮ ‬إلى التي‮ ‬هي‮ ‬أقوم‮. ‬فلولا الأستاذ ما كان الطالب،‮ ‬ولولا جمعية العلماء لكانت الجزائر مثل جزائر الواقواق كما قال الإمام محمد البشير الإبراهيمي‮.‬

فليتذكر الأبناء،‮ ‬قصة الوطن الذي‮ ‬خطط لبناء العلماء،‮ ‬وجسّد لتحقيق خطتهم الخُلّص من الأبناء الأوفياء‮. ‬

مقالات ذات صلة