في ذكرى وطار الباريسية: لا للتقديس ولا للإهانة والتشويه
وطار الذي رحل في الأسبوع الأول من أوت قبل خمسة أعوام، لم يكن عاديا بكل المعايير، وليست عيوبه الشخصية والمزاجية والنفسية ككائن بشري يخطئ ويصيب والتحفظ على يساريته في زمن انتصار نظرية نهاية العالم لفرنسيس فوكوياما وانتصار العولمة الليبرالية، كما يرى الكثيرون ودفاعه عن الإسلاميين من منظور الديالتيكية الماركسية وأدبه الروائي الكلاسيكي هي الحقائق التي ستنقص من قيمة الرجل على الصعيدين الرمزي والتاريخي.
ولأنني لست معنيا بالخصومات التي جمعته بأدباء معروفين أدعي أنني سأحاول إنصاف الرجل بطريقة تتجاوز الاعتبار الشخصي، وتصب في صلب مظاهر الخصوصية التي مثلها الراحل دون غيره من رفقاء دربه. أسباب تاريخية وأدبية وثقافية وشخصية وقدرات خاصة، وحضور لا يشبهه فيه أحد شكلا ومضمونا وممارسة ثقافية واجتماعية ومواقف مثيرة للجدل، بغض النظر عن مدى اتفاقنا مع صاحبها، كلها توابل شكلت من وطار شخصية غير مسبوقة لن يعرفها التاريخ الجزائري القريب في تقديري المتواضع.
وطار جمع بين الفعل الثوري مبكرا وبين الأدب والصحافة المكتوبة وبين الإعلام بشقيه التقليدي والحديث وبين الثقافة كمثقف عضوي متجذر في المجتمعين النخبوي والشعبي على السواء، وكمواقف غير جاهزة وكمظهر يميزه دون غيره “ببيري” خرافي وبلباس عكس قرويته الأزلية.
رواياته الكلاسيكية ذاكرة جزائرية متميزة ورؤية أكدت صحتها بعض الأحداث والتطورات، وموقفه من الإسلاميين كان قراءة لأزمة عميقة لا تتعلق بالجزائر فقط وتبناه الكثير من المحللين الكبار غير الإسلاميين مثله.
قول وطار عن الراحل الكبير جاووت أنه خسارة لفرنسا عكس روحه الاستفزازية والمشاكسة والاندفاعية، لكنه يصب في إشكالية فكرية حقيقية مثلها ياسمينة خضرا الذي قال لي إن الفقيد تسبب في الفتنة بين المعربين والمفرنسين، والأمر غير صحيح إذا عرفنا أن الكثير من المعربين ليست لهم مشكلة فكرية مع الفرنسية، خلافا لمعظم المفرنسين الذين اختفوا تحت عباءة بن غبريط مؤخرا.
وطار الذي مات معتزا ببدويته كان يقلي الحوت ويطبع وينشر ويوجه ويكتب ويصلح كل أنواع العطب في الجاحظية الأولى من نوعها في العالم العربي، الراحل البدوي استنطق الكومبيوتر وخلافه مع الإسلاميين لم يكن مرادفا للحقد الإيديولوجي المبطن أو المكشوف من خلال حداثة حلل المفكر الكبير ادغار موران محدوديتها وتناقضاتها وطابعها اللاهوتي الجديد.
وطار أسس إذاعة القرآن الكريم ونفض الغبار على الإذاعة التي لم تبادر بمحاورته، ورغم كل ما قدمه الراحل للثقافة وللإعلام لم يتردد خضرا في إهانته بعد تعيينه على رأس المركز الثقافي بباريس. وشخصيا لم أكن أنتظر أن يتصرف خضرا ضد وطار تحت وطأة كرهه للمعربين الذين”كرهوه” في اللغة العربية التي أقسم أنه لن يكتب بها رغم أنه قادر على ذلك.