الرأي

في‮ ‬سوق الحياة البشرية

نور الدين بوكروح
  • 3935
  • 0

النّاس ليسوا بقيمة واحدة في‮ ‬سوق الحياة البشرية‮. ‬إنّ‮ ‬رتبة كلّ‮ ‬إنسان تتغيّر بحسب سلوكه ومردوده في‮ ‬التاريخ،‮ ‬وبحسب نفعه للمجتمع وللبشرية وللعلم،‮ ‬كما أنّها تتغيّر بحسب القيم التي‮ ‬يحملها وأثر تلك المعتقدات على الجنس البشري‮ ‬والحضارة‮. ‬وكما أنّ‮ ‬هناك بورصة للذهب وللبترول والعملات المالية،‮ ‬فهناك بورصة للحياة البشرية‮. ‬حياة بعض الأشخاص قيمتها مرتفعة كالذهب،‮ ‬بينما لا تساوي‮ ‬حياة آخرين حتى قيمة الخنجر أو الرصاصة المستعملة في‮ ‬قتلهم‮.‬

‭ ‬هناك بشر تشترى حياتهم بالعملة الصعبة‮ (‬مثل الأوروبيين المحتجزين من طرف الإرهابيين‮)‬،‮ ‬بينما هناك أفراد آخرون لا تساوي‮ ‬حياتهم شيئا‮ (‬مثل العرب والمسلمين الذين‮ ‬يقعون في‮ ‬الأسْر‮). ‬ونظرا لأنّ‮ ‬الإرهابيين‮ ‬يعرفون أنّ‮ ‬هؤلاء لا قيمة لحياتهم في‮ ‬نظر سلطات بلدانهم،‮ ‬فهم لا‮ ‬يتجشّمون حتى عناء اشتراط مقابل مالي‮ ‬لإطلاق سراحهم‮.‬

‭ ‬وبما أنّ‮ ‬ندرة الشيء تؤدّي‮ ‬إلى ارتفاع قيمته،‮ ‬فإنّ‮ ‬أغلى حياة في‮ ‬سوق الحياة البشرية هي‮ ‬بدون منازع حياة اليهوديّ‮. ‬فعدد اليهود على سطح الأرض أقلّ‮ ‬بالنصف تقريبا من عدد الجزائريين وحدهم‮. ‬واليهود‮ ‬يمثّلون الحضارة الأقلّ‮ ‬تعدادا في‮ ‬التاريخ،‮ ‬لكنّها الأكثر إسهاما في‮ ‬مجال العلم،‮ ‬كما أنّها تسيطر على أكبر حصّة من رؤوس الأموال في‮ ‬العالم،‮ ‬وتمتلك أكبر عدد من وسائل الإعلام بكل أنواعها،‮ ‬ولها أكبر أثر على سيرورة الأحداث السياسية والاقتصادية‮. ‬إنّ‮ ‬اليهود لم‮ ‬يستولوا على لقب‮ “‬شعب الله المختار‮”‬‭ ‬استيلاءً،‮ ‬بل فرضوه فرضا‮.‬

‭ ‬يعطينا العهد القديم‮  (‬l_Ancien Testament‮) ‬صورة واضحة بالأرقام عن فترات الانحطاط والرّقيّ‮ ‬في‮ ‬حياة اليهود في‮ ‬التاريخ القديم‮: ‬فلم تكن حياتهم ذات قيمة في‮ ‬عهود الأُسَرِ‮ ‬المصريّة التي‮ ‬تعاقبت على الحكم قبل الهجرة الكبرى‮ ‬‭(‬l_Exode‭)‬،‮ ‬لكنّها كانت ذات شأن عظيم في‮ ‬عصر‮ ‬يوشع بن‭ ‬نون‮(‬Josué‮)‬،‮  ‬داوود‮ (‬David‮) ‬وإيستير‮ (‬Esther‮) ‬وآخرين‮. ‬وحركة المدّ‮ ‬والجزر ذاتها نجدها في‮ ‬تاريخ اليهود بعد التاريخ القديم‮: ‬انحطاط لمدّة طويلة في‮ ‬القرون الوسطى المسيحية حتى عهد الثورة الفرنسية،‮ ‬تليه فترات رقيّ‮ ‬وانحطاط بسبب كثرة المجازر المرتكبة في‮ ‬حق اليهود في‮ ‬أوروبا،‮ ‬وذلك حتى الحرب العالمية الأولى‮. ‬وبعد ذلك جاء الانهيار المُريع تحت حكم النازية،‮ ‬وأخيراً‮ ‬جاءت فترة الرّقيّ‮ ‬الأخيرة منذ تأسيس دولة إسرائيل،‮ ‬والتي‮ ‬لم‮ ‬يسبق لها نظير‮. ‬لقد أصبحت حياة اليهوديّ‮ ‬في‮ ‬آخر تقييم تساوي‮ ‬حياة مائة من الفلسطينيين،‮ ‬أو أكثر أحيانا‮. ‬ألم‮ ‬يتمّ‮ ‬تحريرالرّقيب جلعاد شاليط‮ (‬GiladShalit‭(‬‮ ‬من طرف حماس مقابل تحرير أكثر من ألف سجين فلسطيني؟

‭ ‬وبالترتيب التنازلي‮ ‬يأتي‮ ‬الإنسان الغربيّ‮ (‬أوروبا،‮ ‬أمريكا الشمالية،‮ ‬أستراليا،‮ ‬نيوزيلاندا‮) ‬في‮ ‬مرتبة ثانية‮. ‬إنّه من‮ ‬غير الضّروري‮ ‬أن نعود إلى الحربين العالميتين كي‮ ‬ندرك مدى قدرة الغرب على التّضامن عند الضرورة ولو كلّف ذلك مئات الآلاف من الضحايا ومئات الملايير من الدولارات‮. ‬لنتذكّر ذلك اليوم المعلوم‮ (‬D.Day‮) ‬أو أحداث‮ ‬11‮ ‬سبتمبر‮ ‬2001‮ ‬والنتائج المعروفة المتمخضة عنها‮.‬

‭ ‬إنّ‮ ‬قيمة الفرد العربي‮ ‬المسلم بدوره قد انتقلت من مستوى متدن في‮ ‬بداية الوحي‮ ‬إلى مستوى مقبول في‮ ‬عهد الرسول‮ (‬ص‮)‬،‮ ‬ثم أبي‮ ‬بكر وعمر،‮ ‬ووصولا إلى عثمان،‮ ‬ثمّ‮ ‬سقطت تلك القيمة أثناء موقعتي‮ ‬الجمل وصفّين،‮ ‬لتعرف بعد ذلك استقرارا نسبيّا في‮ ‬العصور الأمويّة والعباسية والأندلسية،‮ ‬ثمّ‮ ‬فقدت قيمتها كلّيّةً‮ ‬في‮ ‬عصر الانحطاط إلى أن جاء زمن اكتشاف البترول في‮ ‬القرن العشرين،‮ ‬حيث ظهرت بوجه مُشرِّفٍ‮ ‬في‮ ‬الظاهر‮. ‬ومع عولمة التيار الإسلامويّ،‮ ‬عادت إلى الانحطاط الذي‮ ‬تواصل حتى صارت حياة العربي‮ ‬المسلم لا تساوي‮ ‬شيئا،‮ ‬إذ لا‮ ‬يمرّ‮ ‬يوم إلاّ‮ ‬ويسقط المئات من الضحايا في‮ ‬أفغانستان وباكستان وسوريا والعراق واليمن وليبيا،‮ ‬دون أن ننسى طبعا حصّتنا من الاغتيالات ضدّ‮ ‬قوات الأمن‮. ‬وإذا كان لا بدّ‮ ‬من مثال آخر،‮ ‬فلا بأس من التذكير بأن خسائر الاستعمار الفرنسي‮ ‬البشرية في‮ ‬شمال افريقية بين‮ ‬1950‮ ‬و1962‮ ‬تُقدر بأقل من‮ ‬30‭.‬000‮ ‬ضحية مقابل مليون ونصف مليون ضحية في‮ ‬بلدنا وحده‮.   ‬

لا تقاس قيمة الحياة البشرية عند الجزائريين بمقاييس أرضية،‮ ‬بل سماوية‮. ‬إنّها لا تقيّم بمدى التّمسّك بالقيم المدنية والديمقراطية والجمهورية،‮ ‬والمصلحة الجماعية والملك العام،‮ ‬بل بما‮ ‬يظهر للعيان من الإيمان الفرديّ‮. ‬إنّها تُقيَّم اعتمادا على علامات استعراضية توهم بالتَّديُّن وتقوى الله وخشيته‮. ‬وهي‮ ‬تُقيَّم أيضا،‮ ‬وبصفة أكثر شمولية،‮ ‬بالنظر إلى القدرات الذاتية على البطش بالغير،‮ ‬وإلى التحايل على الدولة وعلى الناس،‮ ‬وإلى الحضور الصّاخب،‮ ‬وإلى إثبات الفحولة بجهالة‮ (‬أعتذر على هذه الفظاظة،‮ ‬لكنها وسيلة التفاهم المفضلة بيننا‮). ‬إنّ‮ ‬قيمة الإنسان عندنا لا توزن بدرجة الاستحقاق وبالمردود الاقتصاديّ‮ ‬والاجتماعيّ،‮ ‬وبالرتبة اللاّئقة في‮ ‬سلالم الاستحقاق الدولية،‮ ‬بل بالأشهر التسعة التي‮ ‬تسبق الميلاد والمساواة المتعجرفة والشعبوية‮ (‬كلنا‮ “‬اولاد‮” ‬تسعة أشهر،‮ ‬رغم أن البعض‮ ‬يلد قبل أو بعد هذه المدة‮).‬

‭ ‬إننا لم نشهد في‮ ‬البلدان الإسلامية أيَ‮ ‬مظهر للتضامن الجماعي‮ ‬والتّفاني‮ ‬النضالي‮ ‬والاستعداد للتضحية بالنفس دفاعا عن النظام الديمقراطيّ‮ ‬أو الحرّيات العامة أو الدستور،‮ ‬باستثناء التجربة الجديدة التي‮ ‬مرّت بها تونس مؤخّراً‮. ‬ذلك أنّ‮ ‬هذه المفاهيم ليس لها أيّ‮ ‬صدى في‮ ‬لاوعي‮ ‬المسلمين الذين‮ ‬يفوقون‮ ‬غيرهم في‮ ‬الحديث عن الأخوّة وقداسة الحياة والحرية والرحمة والتسامح،‮ ‬لكن هذه الكلمات لا تعدو أن تكون حججا كلاميّة على ألسنتهم بدليل أنّ‮ ‬العكس هو المعمول به في‮ ‬واقعهم‮. ‬إنهم‮ ‬يستشهدون كثيرا بآيات القرآن الكريم طيلة الوقت،‮ ‬لكنهم لا‮ ‬يطبقون منها آية واحدة تنحو النحو المناسب‮. ‬وبالمقابل فهُم‮ ‬يتسرّعون إلى إصدار فتاوى التكفير والقتل‮.‬

‭ ‬إنّ‮ ‬مسلمي‮ ‬أوروبا وأمريكا قد شرعوا،‮ ‬اختيارا أو رغما عنهم،‮ ‬في‮ ‬إدماج قيم حديثة تتعلق بالبراجماتية‮ (‬pragmatisme‮) ‬والحقوق والواجبات المدنية واحترام المقاييس الاجتماعية والقوانين القضائية،‮ ‬مع منظومتهم القيمية التي‮ ‬كانت دينية صرفة في‮ ‬أصلها‮. ‬فأيُّهما‮ ‬يرفع قيمة الحياة البشرية،‮ ‬في‮ ‬النهاية،‮ ‬أو‮ ‬ينزل بها‮: ‬أهي‮ ‬المُثُل الإنسانية للحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية،‮ ‬أم هي‮ ‬الأوامر الدينية و الأيديولوجية؟‮   ‬

‭ ‬الحقيقة أنّ‮ ‬القناعات الدينية والإيديولوجية قد تسببت،‮ ‬منذ آدم إلى خليفة‮ “‬داعش‮”‬،‮ ‬في‮ ‬ازهاق عدد من الأرواح‮ ‬يفوق العدد الذي‮ ‬سببته المصالح المادية وغرائز التملّك لدى الإنسان‮. ‬فعلى مدى تاريخ البشرية‮ (‬والإحصائيات تشهد على هذا‮) ‬قام الإنسان بقتل بني‮ ‬جنسه لأسباب دينية وإيديولوجية بأعداد تفوق تلك الضحايا التي‮ ‬سقطت بدافع الاستيلاء على الأراضي‮ ‬أو الخيرات‮. ‬وإذا نظرنا إلى المسألة عن قرب،‮ ‬نجد أنّ‮ ‬الصّراعات المذهبية داخل الدين الواحد‮ (‬كالإصلاح الذي‮ ‬حدث في‮ ‬المسيحية،‮ ‬والصراع بين أهل السُّنَّة والشيعة منذ معركة صفين إلى الصراع الدامي‮ ‬الحالي‮ ‬في‮ ‬سوريا واليمن وباكستان والبحرين‮… ‬إلخ،‮ ‬مرورا بالحرب الإيرانية العراقية‮) ‬كانت أكثر دموية من تلك التي‮ ‬حدثت بين الأديان المختلفة‮ (‬المؤمنون ضدَّ‮ ‬المشركين،‮ ‬اليهودية ضد المسيحية،‮ ‬الإسلام ضد اليهودية،‮ ‬الإسلام ضد المسيحية‮…)‬،‮ ‬وندرك كذلك أنّ‮ ‬الإيديولوجيات الاستبدادية قد قتلت من أبنائها‮ (‬في‮ ‬عهد ستالين،‮ ‬وماو تسي‮ ‬تونغ،‮ ‬وبول بوت في‮ ‬كمبوديا،‮ ‬ومانجيستو في‮ ‬إثيوبيا،‮ ‬وكيم إل سونغ‮ ‬وأسرته الحاكمة في‮ ‬كوريا الشمالية‮…) ‬أكثر مما قتلت من الأجانب‮. ‬وندرك أخيرا أن الحروب الإيديولوجية‮ (‬كالنازية والشيوعية والإسلاموية‮) ‬كانت ضحاياها أكثر من ضحايا الحروب الدينية والغزوات الاستعمارية والكفاحات التحريرية مجتمعةً‮.‬

ونحن الجزائريين،‮ ‬إذا نظرنا إلى واقعنا وإلى الاتّجاه الذي‮ ‬تسير فيه روح العشائريّة عندنا،‮ ‬وإلى أفكارنا الميِّتة،‮ ‬وإلى نخبتنا العقيمة ودولتنا الضَّالَّة،‮ ‬وإلى مسارنا التّاريخيّ‮ ‬المضطرب جداّ،‮ ‬لأنًّنا كنّا دوما متفرِّجين إزاء عظمة الآخرين،‮ ‬لم نكن أبدا صُنّاعا وفاعلين لعظمتنا نحن،‮ ‬فلا شيء في‮ ‬أوضاعنا الراهنة‮ ‬يؤهّلنا لذلك لا في‮ ‬أذهاننا وتفكيرنا،‮ ‬ولا في‮ ‬ثقافتنا وعاداتنا،‮ ‬ولا في‮ ‬علاقاتنا وسلوكاتنا اليومية‮. ‬هذه حالنا‮… ‬اللًّهمَّ‮ ‬إلاَّ‮ ‬إذا حدثت معجزة،‮ ‬أو انبثق منَّا ما‮ ‬يُصلِحُ‮ ‬العطب‮. ‬وفي‮ ‬انتظار ذلك فنحن نبقى جماعةً‮ ‬غير منسجمة،‮ ‬غير واضحة الرؤية فيما‮ ‬يتعلّق بإرادتها في‮ ‬التَّعايش،‮ ‬لا‮ ‬يجمع بين أجزائها إلاّ‮ ‬شيء كالهلام،‮ ‬تتجاذبها ثلاث لغات تحمل بين طيّاتها ثلاث عقليات لا انسجام بينها،‮ ‬تعيش حالة شتات سياسيّ‮ ‬غير محدود،‮ ‬فطرفٌ‮ ‬يصرُّ‮ ‬إصرارا أعمى على العودة إلى الخلف،‮ ‬وطرفٌ‮ ‬آخر لا‮ ‬يملك من الطاقة ما‮ ‬يكفي‮ ‬للمضيّ‮ ‬إلى الأمام،‮ ‬والأغلبية الساحقة من هؤلاء عبارة عن مزوِّرين في‮ ‬أعمق أعماقهم،‮ ‬لا‮ ‬يهمّهم إلاّ‮ ‬الرَّيْع الآتي‮ ‬من باطن الأرض‮ (‬أي‮ ‬المحروقات‮) ‬أو النازل من السَّماء‮ (‬أي‮ ‬الدِّين‮).‬

‭ ‬وفي‮ ‬لحظات الوعي‮ ‬القصيرة التي‮ ‬تنتابنا،‮ ‬والتي‮ ‬تولِّدها الأحداث،‮ ‬فإننا نضع أيدينا على قلوبنا خوفا وهلعا‮. ‬وخلال تلك اللحظات‮ ‬يلج بصيص من الضّوء إلى أرواحنا لتتمكّن من رؤية جزء من الواقع المزري‮ ‬الذي‮ ‬نعيشه في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬تعيش الدول الأخرى ازدهارا وتقدّما ونحن نمضي‮ ‬إلى الوراء بخطى عملاقة‮. ‬وحينذاك نتشبّث بأمنية أخيرة ونتضرّع بدعاء وحيد هو ألاّ‮ ‬نزداد تدهورا،‮ ‬وألاَّ‮ ‬نرى بأمِّ‮ ‬أعيننا بلدنا وهو‮ ‬يتمزّق،‮ ‬وألاّ‮ ‬نقع في‮ ‬مدى متوسط أو طويل في‮ ‬منزلق حرب أهلية أكثر شراسة من تلك التي‮ ‬ناءت بكلكلها على‮ ‬غرداية لأسباب مجهولة أو تلك التي‮ ‬يعمل المشوِّشون على تأجيج نارها في‮ ‬منطقة القبائل‮. ‬

إننا،‮ ‬على مدى حقب التاريخ البشريِّ‮ ‬الطويل،‮ ‬لم نكن إلاَّ‮ ‬مُدانين أو ضحايا‮. ‬إننا نموت هنا أو هناك‮ ‬يا للصدفة،‮ ‬تحكمنا نزوات الحظ التي‮ ‬بفضلها عُثِر على البترول والغاز الصخري‮ ‬ومن ذلك نعيش بالصدفة أيضا‮… ‬فكيف لا‮ ‬يُحكم علينا بالتشتت،‮ ‬والتشرذم،‮ ‬والانفصال،‮ ‬والتلاشي؟‮ ‬

ونظرا لقصور الفكر الديني‮ ‬عن سبر أغوار المستقبل فإنه‮ ‬يدعو المسلمين السّذّج الذين هم بحاجة إلى رعاية ذهنية،‮ ‬يدعوهم إلى استلهام‮ (‬السّلَف‮)‬،‮ ‬وهم الذين سبقونا إلى الوجود وعاشوا قبلنا منذ أربعة عشر قرنا‮. ‬إنّ‮ ‬كل ما نسمعه في‮ ‬المساجد وقنوات التلفزة هو كلام عن السلف دون أن‮ ‬يحدث تغيير أو‮ ‬يطرأ‮  ‬تحسّن ملموس‮. ‬الشيء الوحيد الذي‮ ‬يتغير مع كل خطاب هو وجه الخطيب‮. ‬فلماذا نرضى بهذا الوضع؟ وإلى متى؟ أليس هذا ضربا من الجنون أو العبث الكوميدي‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يقبل به إلاّ‮ ‬المتخلفون عقليّا؟‮ ‬

‭ ‬بإمكاننا أن نُصنِّف السلفية من أعراض مرض فقدان الإحساس بالاتجاهات‮. ‬وهو مرض‮ ‬يؤدّي‮ ‬إلى الخلط بين الأمام والخلف،‮ ‬وبين الماضي‮ ‬والحاضر،‮ ‬وبين الدنيا والآخرة،‮ ‬وبين السماء والأرض،‮ ‬وبين الأحياء والأموات،‮ ‬وكأنه تجسيد لمقولة أحد علماء الاجتماع في‮ ‬معناها السلبي‮: “‬الأموات‮ ‬يحكمون الأحياء‮”‬‭. ‬وقد أتيح لهذا التيار أن‮ ‬يفرض نفسه في‮ ‬البلدان ذات الأنظمة الهشّة بقوة السلاح،‮ ‬إذ تمّ‮ ‬التنازل له عن تلك البلدان في‮ ‬إطار إستراتيجية لا نعرف دوافعها،‮ ‬لكنها رغم ذلك حقيقة موجودة‮. ‬وأمثلة ذلك ما حدث في‮ ‬أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن‮. ‬وفي‮ ‬حالات أخرى نجد السلفية مفروضة بالعنف الكلاميّ‮ ‬في‮ ‬بعض النواحي‮ ‬والأحياء و الفضاءات الإعلامية التي‮ ‬تتنازل عنها بعض الدول التي‮ ‬تهاب مواجهة السلفية‮. ‬وأمثلة ذلك ما‮ ‬يحدث في‮ ‬باكستان ولبنان والجزائر ونيجيريا‮.‬

‭ ‬ولا بد من الإشارة إلى أن المسلمين قضوا من الزمن في‮ ‬التدهور أو الاستعمار أكثر مما قضوا وهم أهل حضارة مستقلة‮. ‬لقد مرّ‮ ‬على ظهور الإسلام‮ ‬1436‮ ‬سنة‮ (‬وعلى الأصح‮ ‬1448‮ ‬سنة‮) ‬والمسلمون اليوم لايزالون‮ ‬يفكرون ويعيشون ويلبسون ويتكلمون مثلما كان‮ ‬يفعل المسلمون في‮ ‬بداية عصر الانحطاط‮. ‬ومع أن الساحة الدولية قد تغيرت،‮ ‬لكن بقي‮ ‬المسلمون‮ ‬يُغّلِّبُون التجريد على التجسيد،‮ ‬والوعود على الإنجازات،‮ ‬والأبدية الافتراضية على سيرورة التاريخ‮. ‬هم في‮ ‬تبادلاتهم‮ ‬يعتمدون على قاعدة‮: ‬شيئان موعودان خير من شيء واحد محقق‮.‬

‭ ‬وبما أن الوقت لا قيمة له عندهم،‮ ‬والماضي‮ ‬لا‮ ‬يختلف كثيرا عن الحاضر،‮ ‬فإن إرادة الإنسان عندهم مستمرة في‮ ‬الذوبان والتلاشي‮ ‬في‮ ‬إرادة الله‮. ‬فلم‮ ‬يعد لتحسّب المستقبل والتخطيط والاستشراف أية قيمة‮. ‬وباستثناء التغيرات السطحية الناجمة عن التكنولوجيا الغربية ـ والتي‮ ‬لم تُؤدِّ‮ ‬إلى أي‮ ‬تغيير في‮ ‬البنى الذهنية والثقافية ـ فهم لايزالون‮ ‬يحلمون باسترجاع الأندلس والقدس وسمرقند،‮ ‬لا بسبر أغوار المستقبل‮. ‬لقد هبطوا مثل الطائرة في‮ ‬عزّ‮ ‬القرن العشرين،‮ ‬ثُمَّ‮ ‬أقلعوا مباشرة بفضل البترول المتواجد في‮ ‬باطن أراضيهم،‮ ‬ووجدوا أنفسهم متربعين على ثروات طائلة دون أن‮ ‬يبذلوا أي‮ ‬جهد للحصول عليها‮. ‬وعندما تحين الساعة،‮ ‬أي‮ ‬عند زوال هذه النعمة،‮ ‬سيعودون إلى رمالهم بدون عناء وبدون حسرة،‮ ‬لأنهم شديدو الثقة في‮ ‬العناية الإلهية وهم راضون بحلوها ومُرِّها‮.‬

‭ ‬لم‮ ‬يسبق للمسلمين أن استُغِلُّوا كقوة مشتغلة عاملة،‮ ‬ولم‮ ‬يحدث لهم أن مروا على قالب‮ (‬التايلورية‮)‬،‮ ‬كما لم‮ ‬يذوقوا مرارة النضال النقابي‮ ‬وصراع الطبقات،‮ ‬ولم‮ ‬يستفيدوا من التربية الاجتماعية التي‮ ‬تجعل منهم أفرادا‮ ‬يفيد بعضهم البعض الآخر‮. ‬وفي‮ ‬كلمة واحدة‮: ‬لم‮ ‬يتعلّموا قيمة الحياة البشرية‮. ‬لم‮ ‬يسبق لهم أن حاولوا السيطرة على الطبيعة،‮ ‬ولم‮ ‬يضطروا إلى اكتشاف تقنيات جديدة في‮ ‬العمل من أجل تحسين المردود،‮ ‬لأنهم‮ ‬يعيشون من لا شيء،‮ ‬ولا أمل لهم‮ ‬غير النظر إلى السماء‮.‬

إنّ‮ ‬البدويّ‮ ‬إنسان حرٌّ،‮ ‬حالم بما هو أعلى وبما هو أبعد من التاريخ،‮ ‬ومن أجل ذلك فهو لا‮ ‬يشارك في‮ ‬صنعه‮. ‬وهو لا‮ ‬يأبه بتحدّيات الطبيعة،‮ ‬إذ‮ ‬ينظر اليها ثُمّ‮ ‬يُغيِّر طريقه ليتفاداها وليبحث عن الهدوء والسكينة في‮ ‬مكان آخر لا‮ ‬يستلزم أيّ‮ ‬عمل‮ ‬يقوم به‮. ‬أما حالة طبقة الأوزون فهي‮ ‬آخر اهتماماته،‮ ‬وكذلك المشاكل المتعلقة بالبيئة وبالمجاعة التي‮ ‬تقضي‮ ‬على شعوب وشعوب‮. ‬إنه‮ ‬يكتفي‮ ‬بمراقبة المرأة والتقاليد والأعراف،‮ ‬ويحرص على اللباس الشرعي،‮ ‬ويبحث عن الشيطان في‮ ‬دقائق الأشياء‮… ‬إنه لا‮ ‬يُبْدِع ولا‮ ‬يُصَنِّع،‮ ‬إذ‮ ‬يكفيه أن‮ ‬يُبدل ما عنده بما ليس عنده،‮ ‬وإن لم‮ ‬يوجد عنده شيء قنع بحليب الناقة‮.‬

يسود الاقتصاد الموازي‮ ‬في‮ ‬المجتمعات التقليدية،‮ ‬وكذلك تفعلُ‮ ‬الإسلاموية‮. ‬في‮ ‬أغلب الأحيان‮ ‬يتاجر نفس الأشخاص في‮ ‬السوقين‮: ‬سوق المنتجات المادية،‮ ‬وشقيقه التوأم سوق المنتجات الروحية‮. ‬السوق السوداء التي‮ ‬فيها تُتَداولُ‮ ‬الأفكار دون فاتورة،‮ ‬وتُوَزَّعُ‮ ‬الدروس على عجل،‮ ‬وتُعقَدُ‮ ‬الحلقاتُ‮ ‬في‮ ‬الشوارع والساحات،‮ ‬وتُباعُ‮ ‬الحسنات بالصياح،‮ ‬وتُقايَضُ‮ ‬الأحاديثُ‮ ‬وأشرطة الفيديو‮. ‬في‮ ‬سوق الفكر الموازي‮ ‬هذه لا توجد قواعد أو قوانين،‮ ‬ولا مكانَ‮ ‬لمراقبة الجودة أو لقمع للغش،‮ ‬ولا لضمان للجودة‮. ‬الأفواه تقول للآذان،‮ ‬والمعلومات تنتقل شفويا‮: ‬لا وصول بيع ولا كتابات محاسبية‮. ‬هناك‮ ‬يأتي‮ ‬أغلب المواطنين لاقتناء مخزون الغذاء الفكري،‮ ‬فالسلع جذابة وأسعارها في‮ ‬متناول‮ “‬الزوالي‮”. ‬وهناك أيضا تُروّجُ‮ ‬البضائع التالفة والمهربة والمقلدة،‮ ‬وفيها‮ ‬يُمكنُ‮ ‬للمرء أن‮ ‬يتعرض لأمراض خطيرة،‮ ‬مثل جنون القتل والإرهاب الأعمى‮.  

 

* ترجمة‮: ‬عبد الحميد بن حسان   ‬

مقالات ذات صلة