في سوق الحياة البشرية
النّاس ليسوا بقيمة واحدة في سوق الحياة البشرية. إنّ رتبة كلّ إنسان تتغيّر بحسب سلوكه ومردوده في التاريخ، وبحسب نفعه للمجتمع وللبشرية وللعلم، كما أنّها تتغيّر بحسب القيم التي يحملها وأثر تلك المعتقدات على الجنس البشري والحضارة. وكما أنّ هناك بورصة للذهب وللبترول والعملات المالية، فهناك بورصة للحياة البشرية. حياة بعض الأشخاص قيمتها مرتفعة كالذهب، بينما لا تساوي حياة آخرين حتى قيمة الخنجر أو الرصاصة المستعملة في قتلهم.
هناك بشر تشترى حياتهم بالعملة الصعبة (مثل الأوروبيين المحتجزين من طرف الإرهابيين)، بينما هناك أفراد آخرون لا تساوي حياتهم شيئا (مثل العرب والمسلمين الذين يقعون في الأسْر). ونظرا لأنّ الإرهابيين يعرفون أنّ هؤلاء لا قيمة لحياتهم في نظر سلطات بلدانهم، فهم لا يتجشّمون حتى عناء اشتراط مقابل مالي لإطلاق سراحهم.
وبما أنّ ندرة الشيء تؤدّي إلى ارتفاع قيمته، فإنّ أغلى حياة في سوق الحياة البشرية هي بدون منازع حياة اليهوديّ. فعدد اليهود على سطح الأرض أقلّ بالنصف تقريبا من عدد الجزائريين وحدهم. واليهود يمثّلون الحضارة الأقلّ تعدادا في التاريخ، لكنّها الأكثر إسهاما في مجال العلم، كما أنّها تسيطر على أكبر حصّة من رؤوس الأموال في العالم، وتمتلك أكبر عدد من وسائل الإعلام بكل أنواعها، ولها أكبر أثر على سيرورة الأحداث السياسية والاقتصادية. إنّ اليهود لم يستولوا على لقب “شعب الله المختار” استيلاءً، بل فرضوه فرضا.
يعطينا العهد القديم (l_Ancien Testament) صورة واضحة بالأرقام عن فترات الانحطاط والرّقيّ في حياة اليهود في التاريخ القديم: فلم تكن حياتهم ذات قيمة في عهود الأُسَرِ المصريّة التي تعاقبت على الحكم قبل الهجرة الكبرى (l_Exode)، لكنّها كانت ذات شأن عظيم في عصر يوشع بن نون(Josué)، داوود (David) وإيستير (Esther) وآخرين. وحركة المدّ والجزر ذاتها نجدها في تاريخ اليهود بعد التاريخ القديم: انحطاط لمدّة طويلة في القرون الوسطى المسيحية حتى عهد الثورة الفرنسية، تليه فترات رقيّ وانحطاط بسبب كثرة المجازر المرتكبة في حق اليهود في أوروبا، وذلك حتى الحرب العالمية الأولى. وبعد ذلك جاء الانهيار المُريع تحت حكم النازية، وأخيراً جاءت فترة الرّقيّ الأخيرة منذ تأسيس دولة إسرائيل، والتي لم يسبق لها نظير. لقد أصبحت حياة اليهوديّ في آخر تقييم تساوي حياة مائة من الفلسطينيين، أو أكثر أحيانا. ألم يتمّ تحريرالرّقيب جلعاد شاليط (GiladShalit( من طرف حماس مقابل تحرير أكثر من ألف سجين فلسطيني؟
وبالترتيب التنازلي يأتي الإنسان الغربيّ (أوروبا، أمريكا الشمالية، أستراليا، نيوزيلاندا) في مرتبة ثانية. إنّه من غير الضّروري أن نعود إلى الحربين العالميتين كي ندرك مدى قدرة الغرب على التّضامن عند الضرورة ولو كلّف ذلك مئات الآلاف من الضحايا ومئات الملايير من الدولارات. لنتذكّر ذلك اليوم المعلوم (D.Day) أو أحداث 11 سبتمبر 2001 والنتائج المعروفة المتمخضة عنها.
إنّ قيمة الفرد العربي المسلم بدوره قد انتقلت من مستوى متدن في بداية الوحي إلى مستوى مقبول في عهد الرسول (ص)، ثم أبي بكر وعمر، ووصولا إلى عثمان، ثمّ سقطت تلك القيمة أثناء موقعتي الجمل وصفّين، لتعرف بعد ذلك استقرارا نسبيّا في العصور الأمويّة والعباسية والأندلسية، ثمّ فقدت قيمتها كلّيّةً في عصر الانحطاط إلى أن جاء زمن اكتشاف البترول في القرن العشرين، حيث ظهرت بوجه مُشرِّفٍ في الظاهر. ومع عولمة التيار الإسلامويّ، عادت إلى الانحطاط الذي تواصل حتى صارت حياة العربي المسلم لا تساوي شيئا، إذ لا يمرّ يوم إلاّ ويسقط المئات من الضحايا في أفغانستان وباكستان وسوريا والعراق واليمن وليبيا، دون أن ننسى طبعا حصّتنا من الاغتيالات ضدّ قوات الأمن. وإذا كان لا بدّ من مثال آخر، فلا بأس من التذكير بأن خسائر الاستعمار الفرنسي البشرية في شمال افريقية بين 1950 و1962 تُقدر بأقل من 30.000 ضحية مقابل مليون ونصف مليون ضحية في بلدنا وحده.
لا تقاس قيمة الحياة البشرية عند الجزائريين بمقاييس أرضية، بل سماوية. إنّها لا تقيّم بمدى التّمسّك بالقيم المدنية والديمقراطية والجمهورية، والمصلحة الجماعية والملك العام، بل بما يظهر للعيان من الإيمان الفرديّ. إنّها تُقيَّم اعتمادا على علامات استعراضية توهم بالتَّديُّن وتقوى الله وخشيته. وهي تُقيَّم أيضا، وبصفة أكثر شمولية، بالنظر إلى القدرات الذاتية على البطش بالغير، وإلى التحايل على الدولة وعلى الناس، وإلى الحضور الصّاخب، وإلى إثبات الفحولة بجهالة (أعتذر على هذه الفظاظة، لكنها وسيلة التفاهم المفضلة بيننا). إنّ قيمة الإنسان عندنا لا توزن بدرجة الاستحقاق وبالمردود الاقتصاديّ والاجتماعيّ، وبالرتبة اللاّئقة في سلالم الاستحقاق الدولية، بل بالأشهر التسعة التي تسبق الميلاد والمساواة المتعجرفة والشعبوية (كلنا “اولاد” تسعة أشهر، رغم أن البعض يلد قبل أو بعد هذه المدة).
إننا لم نشهد في البلدان الإسلامية أيَ مظهر للتضامن الجماعي والتّفاني النضالي والاستعداد للتضحية بالنفس دفاعا عن النظام الديمقراطيّ أو الحرّيات العامة أو الدستور، باستثناء التجربة الجديدة التي مرّت بها تونس مؤخّراً. ذلك أنّ هذه المفاهيم ليس لها أيّ صدى في لاوعي المسلمين الذين يفوقون غيرهم في الحديث عن الأخوّة وقداسة الحياة والحرية والرحمة والتسامح، لكن هذه الكلمات لا تعدو أن تكون حججا كلاميّة على ألسنتهم بدليل أنّ العكس هو المعمول به في واقعهم. إنهم يستشهدون كثيرا بآيات القرآن الكريم طيلة الوقت، لكنهم لا يطبقون منها آية واحدة تنحو النحو المناسب. وبالمقابل فهُم يتسرّعون إلى إصدار فتاوى التكفير والقتل.
إنّ مسلمي أوروبا وأمريكا قد شرعوا، اختيارا أو رغما عنهم، في إدماج قيم حديثة تتعلق بالبراجماتية (pragmatisme) والحقوق والواجبات المدنية واحترام المقاييس الاجتماعية والقوانين القضائية، مع منظومتهم القيمية التي كانت دينية صرفة في أصلها. فأيُّهما يرفع قيمة الحياة البشرية، في النهاية، أو ينزل بها: أهي المُثُل الإنسانية للحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية، أم هي الأوامر الدينية و الأيديولوجية؟
الحقيقة أنّ القناعات الدينية والإيديولوجية قد تسببت، منذ آدم إلى خليفة “داعش”، في ازهاق عدد من الأرواح يفوق العدد الذي سببته المصالح المادية وغرائز التملّك لدى الإنسان. فعلى مدى تاريخ البشرية (والإحصائيات تشهد على هذا) قام الإنسان بقتل بني جنسه لأسباب دينية وإيديولوجية بأعداد تفوق تلك الضحايا التي سقطت بدافع الاستيلاء على الأراضي أو الخيرات. وإذا نظرنا إلى المسألة عن قرب، نجد أنّ الصّراعات المذهبية داخل الدين الواحد (كالإصلاح الذي حدث في المسيحية، والصراع بين أهل السُّنَّة والشيعة منذ معركة صفين إلى الصراع الدامي الحالي في سوريا واليمن وباكستان والبحرين… إلخ، مرورا بالحرب الإيرانية العراقية) كانت أكثر دموية من تلك التي حدثت بين الأديان المختلفة (المؤمنون ضدَّ المشركين، اليهودية ضد المسيحية، الإسلام ضد اليهودية، الإسلام ضد المسيحية…)، وندرك كذلك أنّ الإيديولوجيات الاستبدادية قد قتلت من أبنائها (في عهد ستالين، وماو تسي تونغ، وبول بوت في كمبوديا، ومانجيستو في إثيوبيا، وكيم إل سونغ وأسرته الحاكمة في كوريا الشمالية…) أكثر مما قتلت من الأجانب. وندرك أخيرا أن الحروب الإيديولوجية (كالنازية والشيوعية والإسلاموية) كانت ضحاياها أكثر من ضحايا الحروب الدينية والغزوات الاستعمارية والكفاحات التحريرية مجتمعةً.
ونحن الجزائريين، إذا نظرنا إلى واقعنا وإلى الاتّجاه الذي تسير فيه روح العشائريّة عندنا، وإلى أفكارنا الميِّتة، وإلى نخبتنا العقيمة ودولتنا الضَّالَّة، وإلى مسارنا التّاريخيّ المضطرب جداّ، لأنًّنا كنّا دوما متفرِّجين إزاء عظمة الآخرين، لم نكن أبدا صُنّاعا وفاعلين لعظمتنا نحن، فلا شيء في أوضاعنا الراهنة يؤهّلنا لذلك لا في أذهاننا وتفكيرنا، ولا في ثقافتنا وعاداتنا، ولا في علاقاتنا وسلوكاتنا اليومية. هذه حالنا… اللًّهمَّ إلاَّ إذا حدثت معجزة، أو انبثق منَّا ما يُصلِحُ العطب. وفي انتظار ذلك فنحن نبقى جماعةً غير منسجمة، غير واضحة الرؤية فيما يتعلّق بإرادتها في التَّعايش، لا يجمع بين أجزائها إلاّ شيء كالهلام، تتجاذبها ثلاث لغات تحمل بين طيّاتها ثلاث عقليات لا انسجام بينها، تعيش حالة شتات سياسيّ غير محدود، فطرفٌ يصرُّ إصرارا أعمى على العودة إلى الخلف، وطرفٌ آخر لا يملك من الطاقة ما يكفي للمضيّ إلى الأمام، والأغلبية الساحقة من هؤلاء عبارة عن مزوِّرين في أعمق أعماقهم، لا يهمّهم إلاّ الرَّيْع الآتي من باطن الأرض (أي المحروقات) أو النازل من السَّماء (أي الدِّين).
وفي لحظات الوعي القصيرة التي تنتابنا، والتي تولِّدها الأحداث، فإننا نضع أيدينا على قلوبنا خوفا وهلعا. وخلال تلك اللحظات يلج بصيص من الضّوء إلى أرواحنا لتتمكّن من رؤية جزء من الواقع المزري الذي نعيشه في الوقت الذي تعيش الدول الأخرى ازدهارا وتقدّما ونحن نمضي إلى الوراء بخطى عملاقة. وحينذاك نتشبّث بأمنية أخيرة ونتضرّع بدعاء وحيد هو ألاّ نزداد تدهورا، وألاَّ نرى بأمِّ أعيننا بلدنا وهو يتمزّق، وألاّ نقع في مدى متوسط أو طويل في منزلق حرب أهلية أكثر شراسة من تلك التي ناءت بكلكلها على غرداية لأسباب مجهولة أو تلك التي يعمل المشوِّشون على تأجيج نارها في منطقة القبائل.
إننا، على مدى حقب التاريخ البشريِّ الطويل، لم نكن إلاَّ مُدانين أو ضحايا. إننا نموت هنا أو هناك يا للصدفة، تحكمنا نزوات الحظ التي بفضلها عُثِر على البترول والغاز الصخري ومن ذلك نعيش بالصدفة أيضا… فكيف لا يُحكم علينا بالتشتت، والتشرذم، والانفصال، والتلاشي؟
ونظرا لقصور الفكر الديني عن سبر أغوار المستقبل فإنه يدعو المسلمين السّذّج الذين هم بحاجة إلى رعاية ذهنية، يدعوهم إلى استلهام (السّلَف)، وهم الذين سبقونا إلى الوجود وعاشوا قبلنا منذ أربعة عشر قرنا. إنّ كل ما نسمعه في المساجد وقنوات التلفزة هو كلام عن السلف دون أن يحدث تغيير أو يطرأ تحسّن ملموس. الشيء الوحيد الذي يتغير مع كل خطاب هو وجه الخطيب. فلماذا نرضى بهذا الوضع؟ وإلى متى؟ أليس هذا ضربا من الجنون أو العبث الكوميدي الذي لا يقبل به إلاّ المتخلفون عقليّا؟
بإمكاننا أن نُصنِّف السلفية من أعراض مرض فقدان الإحساس بالاتجاهات. وهو مرض يؤدّي إلى الخلط بين الأمام والخلف، وبين الماضي والحاضر، وبين الدنيا والآخرة، وبين السماء والأرض، وبين الأحياء والأموات، وكأنه تجسيد لمقولة أحد علماء الاجتماع في معناها السلبي: “الأموات يحكمون الأحياء”. وقد أتيح لهذا التيار أن يفرض نفسه في البلدان ذات الأنظمة الهشّة بقوة السلاح، إذ تمّ التنازل له عن تلك البلدان في إطار إستراتيجية لا نعرف دوافعها، لكنها رغم ذلك حقيقة موجودة. وأمثلة ذلك ما حدث في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن. وفي حالات أخرى نجد السلفية مفروضة بالعنف الكلاميّ في بعض النواحي والأحياء و الفضاءات الإعلامية التي تتنازل عنها بعض الدول التي تهاب مواجهة السلفية. وأمثلة ذلك ما يحدث في باكستان ولبنان والجزائر ونيجيريا.
ولا بد من الإشارة إلى أن المسلمين قضوا من الزمن في التدهور أو الاستعمار أكثر مما قضوا وهم أهل حضارة مستقلة. لقد مرّ على ظهور الإسلام 1436 سنة (وعلى الأصح 1448 سنة) والمسلمون اليوم لايزالون يفكرون ويعيشون ويلبسون ويتكلمون مثلما كان يفعل المسلمون في بداية عصر الانحطاط. ومع أن الساحة الدولية قد تغيرت، لكن بقي المسلمون يُغّلِّبُون التجريد على التجسيد، والوعود على الإنجازات، والأبدية الافتراضية على سيرورة التاريخ. هم في تبادلاتهم يعتمدون على قاعدة: شيئان موعودان خير من شيء واحد محقق.
وبما أن الوقت لا قيمة له عندهم، والماضي لا يختلف كثيرا عن الحاضر، فإن إرادة الإنسان عندهم مستمرة في الذوبان والتلاشي في إرادة الله. فلم يعد لتحسّب المستقبل والتخطيط والاستشراف أية قيمة. وباستثناء التغيرات السطحية الناجمة عن التكنولوجيا الغربية ـ والتي لم تُؤدِّ إلى أي تغيير في البنى الذهنية والثقافية ـ فهم لايزالون يحلمون باسترجاع الأندلس والقدس وسمرقند، لا بسبر أغوار المستقبل. لقد هبطوا مثل الطائرة في عزّ القرن العشرين، ثُمَّ أقلعوا مباشرة بفضل البترول المتواجد في باطن أراضيهم، ووجدوا أنفسهم متربعين على ثروات طائلة دون أن يبذلوا أي جهد للحصول عليها. وعندما تحين الساعة، أي عند زوال هذه النعمة، سيعودون إلى رمالهم بدون عناء وبدون حسرة، لأنهم شديدو الثقة في العناية الإلهية وهم راضون بحلوها ومُرِّها.
لم يسبق للمسلمين أن استُغِلُّوا كقوة مشتغلة عاملة، ولم يحدث لهم أن مروا على قالب (التايلورية)، كما لم يذوقوا مرارة النضال النقابي وصراع الطبقات، ولم يستفيدوا من التربية الاجتماعية التي تجعل منهم أفرادا يفيد بعضهم البعض الآخر. وفي كلمة واحدة: لم يتعلّموا قيمة الحياة البشرية. لم يسبق لهم أن حاولوا السيطرة على الطبيعة، ولم يضطروا إلى اكتشاف تقنيات جديدة في العمل من أجل تحسين المردود، لأنهم يعيشون من لا شيء، ولا أمل لهم غير النظر إلى السماء.
إنّ البدويّ إنسان حرٌّ، حالم بما هو أعلى وبما هو أبعد من التاريخ، ومن أجل ذلك فهو لا يشارك في صنعه. وهو لا يأبه بتحدّيات الطبيعة، إذ ينظر اليها ثُمّ يُغيِّر طريقه ليتفاداها وليبحث عن الهدوء والسكينة في مكان آخر لا يستلزم أيّ عمل يقوم به. أما حالة طبقة الأوزون فهي آخر اهتماماته، وكذلك المشاكل المتعلقة بالبيئة وبالمجاعة التي تقضي على شعوب وشعوب. إنه يكتفي بمراقبة المرأة والتقاليد والأعراف، ويحرص على اللباس الشرعي، ويبحث عن الشيطان في دقائق الأشياء… إنه لا يُبْدِع ولا يُصَنِّع، إذ يكفيه أن يُبدل ما عنده بما ليس عنده، وإن لم يوجد عنده شيء قنع بحليب الناقة.
يسود الاقتصاد الموازي في المجتمعات التقليدية، وكذلك تفعلُ الإسلاموية. في أغلب الأحيان يتاجر نفس الأشخاص في السوقين: سوق المنتجات المادية، وشقيقه التوأم سوق المنتجات الروحية. السوق السوداء التي فيها تُتَداولُ الأفكار دون فاتورة، وتُوَزَّعُ الدروس على عجل، وتُعقَدُ الحلقاتُ في الشوارع والساحات، وتُباعُ الحسنات بالصياح، وتُقايَضُ الأحاديثُ وأشرطة الفيديو. في سوق الفكر الموازي هذه لا توجد قواعد أو قوانين، ولا مكانَ لمراقبة الجودة أو لقمع للغش، ولا لضمان للجودة. الأفواه تقول للآذان، والمعلومات تنتقل شفويا: لا وصول بيع ولا كتابات محاسبية. هناك يأتي أغلب المواطنين لاقتناء مخزون الغذاء الفكري، فالسلع جذابة وأسعارها في متناول “الزوالي”. وهناك أيضا تُروّجُ البضائع التالفة والمهربة والمقلدة، وفيها يُمكنُ للمرء أن يتعرض لأمراض خطيرة، مثل جنون القتل والإرهاب الأعمى.
* ترجمة: عبد الحميد بن حسان