في مصر ثورة مضادة
عندما يكون الاشتباك بين الإخوان المسلمين والجيش المصري نبوءة يدلي بها هنري كيسنجر مهندس كامب ديفد ووزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في سبعينيات القرن المنصرم، فإن ذلك يعني أن المسألة ليست مجرد أمنية شريرة تصدر عن صهيوني حاقد على الأمة ومستقبلها انما هي اعطاء ضوء أخضر لقوى يتم تغذيتها بالشعار والمال لتشكل جبهة واسعة في مصر تعيد البلد إلى سابق عهده..
القوى المضادة في مصر عديدة، قليلها عقائدي بمعنى انه يعادي الخيار الاسلامي فكريا بشكل مجرد، اما كثيرها فهو بروز قوى نفوذ مالي وسياسي وأمني ضخمة تعيشت على المراحل السابقة المتعفنة مع الأنظمة التي لم يشغلها الا الكرسي.. في مصر اصحاب الأموال الضخمة والمسؤوليات الواسعة يأخذون موقعهم باقتدار في خندق امامي للثورة المضادة، وطواقم الاعلاميين والفنانين المتورطين بمآخذ غير اخلاقية ومفاسد عديدة كتيبة متقدمة في الثورة المضادة، ورجال الخفاء من المسؤولين الذين وجدوا ان الثورة ستفقدهم صلاحياتهم هم ايضا في خنادق الثورة المضادة.. وفي صفوف الثورة المضادة الأولى مجموعات تمت صناعتها مباشرة من قبل المخابرات الأمريكية لتثير الفوضى وقت الحاجة، ويتم تحريكها مباشرة من خلال مكتب خاص يشرف على حركة السي اي ايه في مصر.. وليس ببعيد عن ذلك ما يتم من تحريك في محور قناة السويس لتطيل الحكومة عن تنفيذ مشروع القرن لتطوير المنطقة وجعلها أحد ركائز اقتصاد مشروع النهضة.
الغريب حقا ما يتم من جرأة البعض في مصر بالإعلان عن دورهم في توريط قوى سياسية وشخصيات اعتبارية بعلاقات ولاء مع الإدارة الأمريكية، فعلى الملأ، استضافت احدى محطات التلفزيون المصرية سعد الدين ابراهيم الذي أفاض في الحديث عن دوره بنقل رسائل بين مصريين واحزاب مصرية والإدارة الأمريكية.. كان الرجل يتكلم بوضوح وبزهو عن دوره في نقل الرسائل وفي توجيهه تحذيرات لهذه الجهة المصرية او لتلك، متنبئا ومتوقعا السيناريوهات المحتملة.
الغريب ان قوى الثورة المضادة اكثر وضوحا وأشد بأسا من قوى الثورة الحقيقية.. فقوى الثورة المضادة تجاهر بمحالفة اسرائيل والغرب ومعاداة فلسطين والعروبة والاسلام، في حين لم تستطع قوى الثورة الحقيقية من اتخاذ موقف جدي من الموضوع الفلسطيني او اتفاقيات كامبديفد المذلة، القوى المضادة تهاجم وتصنع وقائع وتتحرك بعنفوان في الأماكن الحساسة وتحرق وتدمر بلا وجل.
ان مصر الآن امام فرصتها الأخيرة، إما ان تتخلص من عصابات الموت والشر التي تحركها الإدارة الأمريكية وجهات مشبوهة اقليمية ودولية، وإما ان تسقط على صخرة واقع يودي بها إلى مهالك الردى.
ومن هنا بالضبط، يجب ان نعرف ان حجم التهويل والتخويف من جماعة الإخوان المسلمين انما فقط لكي يخلو الجو للقوى المضادة وهي تعرف ان ليس في مصر سوى الإخوان يمكنه ان يملأ الفراغ.. فهل يلتف المصريون حول الإخوان ويسندونهم لحسم الجولة، أم انهم سينقلبون عليهم. تلك مسألة أخرى من البحث والتحليل.