في الجلفة
تكرم الإخوة في مسجد “السعادة” بمدينة الجلفة، فدعوني لمشاركتهم نشاطهم المسمى “الندوة العلمية التربوية العامة”.
لبّيت الدعوة بفرح وسرور، خاصة أنني لم يسبق لي أي نشاط في الجلفة التي كنت أمرّ عليها غدوا ورواحا إلى مدن في جنوبها.
كان رفيقاي في زيارة الجلفة الدكتور عبد المالك بوعمرة، والأستاذ بوشامة غازي، وتعزّزنا برابع وهو أحد أبناء الجلفة الأستاذ بشير ابن خشيبة المقيم بمدينة حجوط.
أبى كرم الإخوة الجلفاويين إلا يستقبلونا خارج المدينة بمسافة معتبرة، وكانوا نعم المستقبلين، وما منهم إلا ذو مقام معلوم، فشكرا لهم، والشيء من معدنه لا يستغرب، قادنا الإخوة المستقبلون لنا إلى أحد معالم المنطقة الطبيعية، وهو ما يسمّى “جبل الملح” أو “حجرة الملح”، وما يؤسف له أنه غير مستغل لحد الآن..
ومن عجائب صنع الله – عز وجل- أن نبع ماء ينبع من ذلك الجبل الملحي، ولكن هذا الماء عذب فرات، ذو خصائص طبية، ولذا رأينا أناسا يملأون دلاءهم من هذا النبع للاستشفاء به من بعض الأدواء، وما أكثر نعم الله – عز وجل- علينا ولكننا لا نحسن استغلالها، فهي مهملة.
أدينا صلاة الجمعة (18-10-2024) في مسجد “السعادة” الصغير المساحة، النظيف، الجميل رغم بساطته، واستفدنا من درس الجمعة الذي ألقاه الدكتور عبد المالك، وكان موضوعه هو بعض معاني سورة “الحشر”، التي يقص فيها الله – عز وجل- من أنباء شر المخلوقين، الذين قست قلوبهم أكثر من قسوة الحجارة التي قد تتشقق، وقد يخرج منها الماء.
وبعد الصلاة وأخذ قسط من الراحة، تشرفنا بزيارة أحد المعاقل الحضارية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، حيث أعدّ “الجيش الزاحف بالمصاحف” على وريثة الحركة الصليبية وهي فرنسا، وأما المدرسة فهي “مدرسة الإخلاص”، والملاحظ هو أن مدارس جمعية العلماء لم تكن تحمل أسماء الأشخاص إلا ما يعد على رؤوس الأصابع، ولكنها كانت تسمى بأسماء صفات نبيلة ومعان جليلة، لترسخ في عقول التلاميذ وقلوبهم، فإذا صاروا وصرن رجالا ونساء جسّدوا تلك المعاني..
وبين العشاءين، شرفني الإخوة بالاستماع إلى كلمة تحدثت فيها عن ثلاثة أمور هي “وجوب العلم”، الذي اعتبره العالم التستري “أفظع وأقبح من الجهل الذي لا يداويه إلا العلم”، ثم تناولت أهم ما يترابط به المؤمنون وهو “الحب” الذي جعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شرطا في دخول الجنة، ثم أنهيت كلمتي بما يعانيه المرابطون في غزة، وبما يسجلونه من أمجاد وما قذفوه من رعب في قلوب الصهاينة، شكرا للإخوة في الجلفة على كرم الضيافة حيث فتح لنا أحدهم بيته واستفظع أن ننزل في فندق، وشكر آخر لما أتحفونا به من كتب عن تاريخ المنطقة.