-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
طلقة بارود

في الذكرى الثامنة لرحيله… الشيخ نحناح كما عرفته

نذير مصمودي
  • 5035
  • 5
في الذكرى الثامنة لرحيله… الشيخ نحناح كما عرفته

لم أعرف رجلا من رجالات الدعوة الاسلامية، منسجما مع سجيته مثل ما عرفت ذلك في الشيخ نحناح – عيه رحمة الله – فقد كان رغم هيبته يجنح إلى المرح والتماس الجوانب الضاحكة في بعض الأمور، ويسترسل على سجيته في الحديث دون تزمت أو تكلف، بينما كان بعض الدعاة يحيط نفسه بهالة من التصنع والوقار المغشوش، ولا يظهر إلا وكأنه في أحزان متواصلة، وكآبة مستمرة، وعبوس لا يفارق وجهه!

  • 1- الإنسجام مع السجية
  • إن روح الدعابة والبشاشة والمرح والتواضع، هي التي جعلت الجمهور الضخم من العامة، لا يلمس في شخص نحناح أثاره من كبرياء، تصده عنه، أو تضفي عليه تقاليد التفاوت بين الناس وطبقاتهم، وهذا هو سر نجاحه في كسب حب الناس له والتصاقه بالجماهير الدنيا، وهو جزء من الرسالة التي كان يؤديها بعدما صار إلى ما خطه القلم له، أي رجلا من الدعاة إلى الله.
  •  
  • 2- سلامة الصدر
  • أشهد أن الرجل، كان سليم الصدر، نقي السريرة، يرفض الخوض في أعراض الناس، بما في ذلك أعراض بعض مخالفيه من الإسلاميين الذين تطاولوا عليه واستباحوا عرضه من غير وجه حق، وكان يرى أن مجاهدة النفس في هذا الميدان أمرا يستلزمه الدين ويتطلبه اليقين، ولا يجوز أن يكون عقبة أمام التعاون الأخوي المحترم، وقد قال لي مرة أن معظم الاختلافات في الساحة الإسلامية لا صلة لها بالدين أولا، ولا دلالة فيها على حسن النية وشرف القصد ثانيا، وأن ما يعقبها من انتكاسات نفسية وخلقية عميقة، كثيرا ما تضرّ بالدعوة والخلق.
  • وأشهد أنه لم يذكر لي مرة أحدا باسمه من الذين كانوا يسيئون إليه، ويتعالى بنبله عن التجريح رغم اعتراضه على ماكان يلحقه من أذى.
  •  
  • 3- بينه وبين أبو جرة
  • يؤسفني أن أذكر ولأول مرة، أن الشيخ نحناح، مكث أمامي وهو على فراش المرض (2003) يبكي بكاء شديدا لفرط ما لحقه من صديقي أبو جرة الذي لم يزره، وقال لي بحضور صديقي رشيد صولي: “إذا كان الرجل قد نسي حقوق الأخوة في الله، فهل نسي أيضا حقوق الجار؟” وكان يعني أن بيت أبو جرة في نادي الصنوبر كان مقابلا لبيت الشيخ نحناح.
  • ولهذه القصة تفاصيل كثيرة، دونت معظمها في مذكراتي، غير أن خلاصتها تشير إلى أن بعض الإخوة – هداهم الله – هم من عكروا صفو العلاقة بين الرجلين، وأرادوا مبكرا الإطاحة بحظوظ أبو جرة في الوصول إلى رئاسة الحركة بعد وفاة الشيخ نحناح.
  • لكن أشهد أن الرجل بعد جلسة صلح سعيت إليها، كان مثالا كبيرا في التسامح والعفو والإيثار، كما كان الشيخ أبوجرة مثالا في الاعتراف بالخطأ والتقصير والندم على ما فرط في جنب صاحبه.
  •  
  • 4- قبول النقد
  • رغم ثقته بما كان يؤدي من أعمال، أو اعتداده برأيه في بعض الأمور، إلا أنه لم يكن يظن أنه قد أحاط بكل شيء علما، لذلك لم يكن يستهين بالرأي الآخر، بل ويطلبه استكمالا لما عنده رغم علمه وثقافته، في الوقت الذي كان فيه أنصاف المتعلمين وأنصاف المثقفين غير مكترثين بالرأي الآخر، أو بما يوجه إيهم من نقد لأنهم في زعمهم، متعلمون ومثقفون لا يجوز القدح في أقوالهم وأعمالهم ومسالكهم.
  • وأشهد أنه كان يقبل نقدي له بصدر رحب، وقد قلت له مرة كلاما جارحا ومحرقا، إلا أنه استقبله بابتسامة عريضة قائلا لي: “قل ما تشاء بكل حرية ما دمت ناصحا وصادقا”، ثم بكى وقال: “إن هذه الحركة لن تنتصر إلا بقوة أنصار الحق”.
  •  
  • 5- حب فلسطين
  • صحيح أن الرجل كان يحزن لكل ما يزخر به العالم الاسلامي من مآس وكروب، إلا أن حزنه على فلسطين كان أشدّ، وقد رويت له مرة تفاصيل أول معركة في قرية “دير البلح” وقعت بين طلائع شباب الإخوان المسلمين وبين بني إسرائيل، وسمعته يقول في خشوع وأدب: لقد أرجعت ذاكرتي إلى أيام خلت، ثم قال باكيا: لو خيرت بين الموت في وطني، والموت في فلسطين، لاخترت الموت في الأرض المقدسة، لأن الموت فيها شهادة في سبيل الله، لا تعني البلى، إنما تعني الخلود.
  •  
  • ملاحظة
  • كانت هذه أجزاء مختارة من ذكرياتي مع الشيخ نحناح – رحمه الله – ولعلي أجمعها مع غيرها بتفصيل أكثر ونسق كتاب مستقل، وفي إطار الملابسات التي أوحت بها تاريخيا.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
5
  • osama sahrawi

    ايها الشيخ الفاضل كلامك فى استذكار مناقب الرجل بلسم للجراح وعودة لماضى نتلذذ حلاوته بداخل كياننا لكن يجب عليك الان اكثر مما سبق اسدء النصح ومعالجة التصدعات التى حدثت وتحدث بعد وفات الشيخ نحناح رحمة الله عليه الكلام موجه لكل الاخوان والاخوات الناشطين فى هذا الحقل

  • oحيو ورقلة

    رغم أنني لم ألتقي بالشيخ إلا في مناسبات تعد على أصابع اليد الواحدة إلا أننى لم نسمع عن الشيخ أنه كثير البكاء لغير خالقه كما تصفه في مقالك هذا.

  • يحي بلحسن

    سيّدي الفاضل أتمنى أن يتّسع صدرك لبعض الملاحظات؛ليس عيبا أن نمدح شخصا أحببناه و تمكنّا من رؤية بعض خصاله الحميدة ولكن من المفروض أن نرتفع درجة ونمارس ما يسمّى النقد الموضوعي الذي لا يزال مجهولا عندنا ،ونخلط بإصرار بينه وبين التجريح أو الغيبة وغيرها من المفاهيم؛ومن السهل أن نسكت كلّ صوت ناقد مفكّر بمقولات منتزعة من سياقاتها كقول ابن عساكر الدمشقي:لحوم العلماء مسمومة مثلا.
    تقديس الأبطال طبيعة إنسانية تجاوزها البعض ونصرّ نحن على البقاء في عتبتها ،أنظرRank : Le mythe de le naissance du héros

  • خليفة من وادي سوف

    الاستاذ نذير مصمودي كتلة متحركة من الثقافة الخالصة رجل ذو تجربة رائدة وشاهد على عصر التحول بالجزائر العميقة ونحن في اشد الحاجة لكتاباته وشهاداته . ولا عجب ان يكون من رفقاء الشيخ الراحل طيب الله ثراه

  • رابح

    شكرا لكم على هذا المقال