في اليوبيل الذهبي للاستقلال.. هل من رئيس؟
تحل الذكرى الخمسون لاستقلال الجزائر مُحملة بعبق التاريخ، وبأرواح من ضحوا واستشهدوا أو عمّروا بعد ذلك، منهم من تغيّر، ومنهم من لم يبدّل تبديلاً.
تأتي الذكرى أيضا، والأجيال تتدافع من رحم الزمان حاملة لوزر من سبقوها ولحسناتهم التي طمرت بفعل تداخل المباديء بالمكاسب، وشرعية الثورة بمطامع الثروة.
تأتي ذكرى الاستقلال وحدود الفصل لم تعد قائمة بين مراحل التاريخ، فهنا وهناك، وفي أهم مواقع صناعة القرار لا يزال أولئك الذين فجروا الثورة، أو ساهموا فيها وحققوا النصر، يتولون تصريف الأمور بوضع اليد أو بوضع الحزب، أو بوضع المعارضة التي لم تناقش للحظة أهمية أن يكون بيان أول نوفمبر الذي نصّ صراحة على” إقامة دولة ديموقراطية ضمن مباديء الدين الإسلامي” مرجعية للحكم على ما حققنا أو قصرنا أو تجاوزنا، سواء أكان ذلك بجلد الذات أو بتضخيمها في ظل تطور عالمي لم تعد فيه قدسيّة المبادئ هي الأولوية لمصير الدول، بقدر ما أصبحت المعرفة فيه سيدة الموقف.
الهدم .. وجهات خمس
لاشك أن الإتيان على ذكر 5 جويلية 1962 هو إحياء للذاكرة الجماعية للشعب الجزائري ولتبعات الفعل الثوري حين امتد احتضانا ودعما وتفاعلا مع حركات التحرر في العالم كله.. هو إذن يوم للفرح وللعزة وللافتخار، ولكن من كان يظن أن الجزائر ستصبح بعد انطلاقاتها الكبرى وبعد خمسة عقود في دائرة التوتر الإقليمي حيث تواجه معاول الهدم وسيوف الغضب وبواطن التطرف من مواقع حدودية ومن جهات خمس، بحيث لا يمكن لنا أن نتجاهل ما يحدث حولنا في مالي وليبيا وتونس وموريتانيا والمغرب.
لقد استطاعت الدولة الجزائرية بمؤسساتها وجيشها وشعبها أن تطوّق الإرهاب في حدود مساحتنا بما رحبت، وباستثناء حالات قليلة مقارنة مع التمرد المجتمعي العام ثم لجوء جماعات بعينها إلى العنف والإرهاب، لم تكن هناك عناصر خارجية إلا قليلا، ومعنى ذلك أننا بقصد أو بغيره، حمينا المنطقة من أن تشتعل بالكامل، فمن ذا الذي يحميها اليوم، وهي تعود إلى مرحلة ما قبل الدولة، ومهما ندعي من عدم وجود مخاوف أو محاولات يائسة لتأكيد المبدأ القديم الذي قامت عليه سياستنا الخارجية لجهة عدم التدخل في شؤون الغير، فإن الوضع المزري لجيراننا يجعلنا نؤرق ونحضّر أنفسنا لمزالق إقليمية تلوح في الأفق.
لقد أوجدت فينا الثورة بعد النصر المؤزر حالة مرضية ـ على ما فيها من جمال وحسم وعزة ـ لجهة اعتقدنا ـ نحن أبناء جيل الاستقلال خاصة الذين تشبّعوا منا بمبادئ الدولة الوطنية ورؤاها السياسية ـ أننا الأحسن والأفضل من الآخرين خاصة من جيراننا، ونما فينا هذا الشعور لثلاثة عقود تقريبا حتى إذا ما كشّر الإرهاب عن أنيابه اكتشفنا أننا نحترق بالأحقاد الدفينة النابعة من تميز طبقي أو من استجابة لمشاريع خارجية، صحيح أن التعميم هنا غير مقبول لكن الغالبية منا، خاصة من تلطخت أيديهم بالدماء، كانت ضمن ما ذكرناه آنفا.
مرض الحكم.. وأهله
في حدود معلوماتي أن الدراسات الاجتماعية للذات الجزائرية الفردية والجماعية إبان الثورة لم تتوفر ولم يول اهتماما لهذا الموضوع، وكذلك الحال بالنسبة للعقود الخمسة الماضية من الاستقلال، وحديثي هنا يعني دراسات معمقة تقوم عليها إستراتيجية دولة، والدراسات التي أعدّت حول العشرية الخاصة بالإرهاب ظلت محجوزة أو رهينة أو حكرا على المؤسسات الأمنية والعسكرية وإلى حد ما مؤسسة الرئاسة، لذلك وبعد أن دخلنا في الجيل الثالث للثورة والجيل الثاني للإستقلال ـ يقدر الخبراء عمر الجيل بثلاث وثلاثين سنة ـ فإنه مطلوب منا تقييم تجربتنا دون شطط أو ملل، فهي تؤخذ باعتبارها تجربة إنسانية فيها من الأخطاء ما علينا تداركه وتجاوزه أو التنبيه إليه، وفيها من الإيجابيات ما يتطلب التركيز والاهتمام به وتعميقه.
وبالرغم من أن الاهتمام بالداخل أولوية بالنسبة لنا جميعا فليكن التركيز على الإنسان الجزائري ليس فقط ضمن منظومة القيم ولأسباب الوجود، وإنما من حيث كونه منتجاً ومبدعاً ومساهماً، ويشمل ذلك تعبيره ومساهمته في مصير دولته.. هنا لا بد من التذكير بأنه شريك فعلي، بدءاً من الاحتفال بالذكرى الخمسين وانتهاءً بمنصب الرئيس.
لقد آن الأوان لإعادة النظر في واقعنا السياسي من خلال عنوان كتاب “المرضى الذين يحكموننا”ـ من تأليف الكاتبين الفرنسيين بيير أكوس ودكتور بيير رونتشنيك، بغض النظر إن كان المرض عضويا أو نفسيا، فنحن نكّن لكل قادة الثورة احتراما خاصا ولا ينفر من والديه إلا العاق وأتصور أن الأحفاد ناهيك عن الأبناء يمتدون بجذورهم لهؤلاء الأباء الذين هم بيننا ومعنا اليوم.. ومهما تكن نقائص فعلهم وقراراتهم فهم جانب من الرشد في حياتنا لا يمكن الاستغناء عنه، لكن أيضا لا نود أن يصلوا لدرجة” أنهم لا يعلمون من بعد علمهم شيئا”، ففكرة الوصاية انتهت بالنسبة لشعوب العالم ولايعقل أن تظل الجزائر بعيدة عن هذا.
أين هي الجزائر اليوم؟
إننا لا نتكلم في عالم الرمز ولا نُداري عن قضايا سياسية ولا حتى نقوم بمسألة التنظير أو التقييم، ولكن مساهمة مناّ في تطوير الجانب العلائقي بيننا على المستوى الأفقي في المجتمع بين أفراده، وعلى المستوى العمودي بين الحكام والمحكومين ندعو بكل وعي أن يكون الرئيس المقبل للجزائر ابن جيل الاستقلال أوحفيد جيل الثورة ـ للعلم إن الجيل الأول تجاوز عمره اليوم خمسة عقود ـ وإلى أن يتم ذلك يمكن مد جسور بين الأجيال فيما يحقق الاستمرارية.
أعرف أن هناك قائمة طويلة من جيل الاستقلال تنتظر أن تكون في الصفوف الأولى والهم الأساسي ليس هو السلطة إنما هو مصير الدولة، وكما ذكرت سابقا فإن المخاطر التي تحدق بنا تجعل مساحتنا تضيق رغم اتساعها، والوضع الراهن في دول الجوار يشتت جهودنا، ويقلل من دورنا في محيطنا الجغرافي وفي قارتنا إن لم يجعله معدوما.
لكل ما سبق نتساءل: أين نحن مثلا من طريق الوحدة الإفريقية الذي وضعه الرئيس الراحل هواري بومدين؟ وكيف للجزائر التي ما فتئت تقوم بدورها المؤثر والفاعل في القارة والإقليم تعجز لحد الآن عن استعادة دبلوماسيتها للمخطوفين في مالي، وأين هي الجزائر التي قال عنها شاعر الثورة الكبير مفدي زكريا رحمه الله “:
وقل الجزائر وأصغ إن ذكر اسمها
تجد الجبابرَ ساجدين ورُكّعا
تُرى من يصغي لاسم الجزائر اليوم وقد تحولت بعد خمسين سنة من الاستقلال إلى دولة مرعوبة من أحداث المنطقة العربية، ومن هجوم جماعات متطرفة خارجة عن القانون، ومن ضغط دول كبرى تهددها بمصير مثل أخواتها، ومن فساد ينخر المجتمع لأنه تحول إلى ثقافة عامة؟.
من ناحية أخرى إن الاحتفال بالذكرى الخمسين للاستقلال يجب أن يؤسس على قيم الصدق والوفاء والنزاهة والتضحية، لأن مواجهة الداخل من ناحية بالبناء والتعمير أصعب بكثير من سنوات الحرب الضروس، وإذا كنا لا ننكر كل الإنجازات التي تحققت فإننا نخشى أو نخاف ألا يبقى لنا من الاستقلال إلا اسمه بالذات على مستوى الهوية واللغة..عندها ستكون الجبال الرواسي والقرى والوديان والأرياف التي انطلقت فيها الثورة مجرد مناطق قافرة، ترانا ونراها على هذا النحو، وهو ما لا نود ولا نبغي.