في حاجة إلى هِمّة..
نحن في حاجة اليوم، وعاجلا، إلى أهداف وطنية كبيرة ذات طابع اقتصادي واجتماعي للانتقال ببلدنا إلى مصاف الدول الصاعدة بدل هذا التخبُّط في مشكلات فرعية أو بين قرارات غير مدروسة ما نكاد نُعلنها حتى نُسارع إلى التراجع عنها. نحن في حاجة اليوم إلى مَن يحمل رؤية شاملة تحمل أهدافا كبيرة لا لمن يُغرقنا أكثر في فنجان القرارات الفرعية والجزئية يُريد أن يجعل منها مشروعا كبيرا وما هي كذلك.. في حاجة إلى من لديه هِمّة وكفى…
دول مثلنا، انتقلت في ظرف 20 سنة من مرحلة ما دون التصنيع إلى التصنيع، ومن الاستيراد إلى التصدير، ومن حالة انعدام السياحة إلى استقطاب ملايين السياح، ومن دخل سنوي فردي محدود إلى دخل محترم وقادر على أن يضمن للناس العيش الكريم. لا أريد أن أذكر هذا البلد أو ذاك، لقد مللنا مقارنة أنفسنا بغيرنا مِمَّن كانوا أسوأ مِنَّا وأصبحوا أفضل بكثير، أو كانوا مثلنا وتفوَّقوا علينا. لقد أصبَحتْ لدى غالبيتنا حساسية من ذكر بعض البلدان ولو على سبيل المقارنة، ومن باب الوطنية ـ الزائدة أحياناـ أن نمتنع عن ذكر أسماء قادة ودول، يشهد العالم أجمع، أنهم تصرفوا بحكمة وفعالية في مسألة تحقيق العدالة والتنمية للناس.
لماذا لا نكون نحن؟ ما الذي يجعل السكن مشكلة مزمنة لدينا، لا نكاد نجد لها حلا بعد عقود من الزمن وعشرات المحاولات؟ ما الذي يجعل تبعيتنا إلى المحروقات تستمرّ رغم كل ما نادينا به بشأن موضوع تنويع الصادرات؟ ما الذي يجعل مدرستنا وجامعتنا تعيش كل سنة نفس المشكلات والاضطرابات؟ ما الذي يجعل صحتنا تزداد مرضا رغم كل ما لدينا من إمكانات؟ ما الذي يجعل عملتنا تنهار في الأسواق رغم حديثنا المستمر عن آلاف الإنجازات؟
أليست الأنانيات، والحسابات الضيِّقة، والنظرة المحدودة في الزمان والمكان هي التي تجعل مِنّا كذلك؟ متى نتمكن من تجازوها؟ متى نُدرك أننا لا نملك برنامجا وطنيا حقيقيا ولا استراتيجية بعيدة المدى بدليل أننا لا نكاد نتخذ قرارا اليوم حتى نتراجع عنه غدا، ولا ندري ما إذا كنا سنستمر في هذه السياسة أو تلك لأشهر أو سنة أو عقد من الزمن.
يبدو لي أنه لم يعد أمامنا مزيدٌ من الوقت للاتفاق حول أهداف يتم من خلالها تقييم الجهد المبذول ميدانا. التخلص الفعلي من التبعية إلى المحروقات، الارتقاء الفعلي بمستوى التعليم وفق المقاييس العالمية، إيجاد منظومة صحية بمواصفات عالمية، إنهاء أزمة السكن، الرفع من قيمة الدينار وجعله عملة قابلة للتحويل. هل من ملتزم بتحقيق هذه الأهداف خلال عشر السنوات المقبلة؟ هل يُعدُّ هذا من المستحيلات، أم إن علينا رفع الهِمّة إلى مثل هذه المستويات بدل السقوط باستمرار في معالجة الجزئيات؟