الرأي

في ذكرى النكبة .. الموقف الأمريكي

الشروق أونلاين
  • 664
  • 0

وسط مشاهد متزاحمة داخل الشريط الجمعوي الفلسطيني عن النكبة، يحيي الفلسطينيون أينما كانوا ذكرى مرور 66 عام على هذه المحطة المفترق في تاريخهم. لم يسبق أن وقعت في أي جزء من هذه المعمورة جريمة بمستوى تلك التي ارتكبت بحق شعب فلسطين، من قبل الدول الاستعمارية، حيث تم إجلاء شعب من أرضه ووطنه بوسائل دموية تجاوزت أساليب وجرائم النازية.

 لقد شكل نجاح المشروع الصهيوني الاستعماري بالإعلان عن إنشاء الدولة الصهيونية في 15/05/1948 عبر انتزاع الجزء الرئيسي من أرض فلسطين، وإحلال شعب آخر جرى تكوينه محل أصحاب الأرض الحقيقيين، هزيمة ليس للحركة الوطنية الفلسطينية والعربية فقط، بل لمجمل القوى التقدمية المناصرة لحق الشعوب في تقرير مصيرها، والمناهضة للسياسة الإمبريالية المعادية لمصالح الشعوب، لقد كانت إسرائيل من حيث النشأة والوظيفة مصلحة استعمارية، كان التداول الموضوعي على رعايتها بين تلك الدول، قبل ذلك التاريخ المشؤوم ولغاية اللحظة، في هذا السياق لقد وفروا لها مظلة الاعتراف الأممي وتشريع وجودها من خلال مشروع قرار التقسيم الذي أقرته الأمم المتحدة في 29/11/1947 وحمل القرار رقم 181 وهو أيضا   قرار جديد في حياة الشعوب وفي حياة هذه الهيئة الدولية، حيث تم تقسيم وطن إلى أجزاء وحصص، إنها السياسية الاستعمارية التي تدمر وتحطم بل وجاهزة لإبادة فئات اجتماعية و شعب بأكمله في سبيل مصالحها الاقتصادية والأمنية والسياسية..الخ.

هكذا واصلت هذه الدولة عملها في ترسيخ وتعميق جريمتها فهي أولا قد ساعدت الصهاينة بالقوة على احتلال ما يقارب 78 بالمائة من أرض فلسطين بتجاوز ما نص عليه قرار التقسيم، وهي ثانيا قد أحالت ومنعت قيام دولة فلسطينية عربية، صحيح أن هذا القرار قد نص على ذلك، لكن بالمعنى العملي كان أعضاء اللجنة التي سبكت مشروع قرار التقسيم قد اتفقوا فيما بينهم  وبشكل مغلق وسري على أن لا وجود لدولة عربية فلسطينية بين النهر والبحر، وإذا جرت محاولات لتحقيق ذلك  تكون أرض فلسطين كلها للدولة الصهيونية، هذه اللجنة كانت مشكلة من مندوبين عن: الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، الوكالة اليهودية والتي كانت بمثابة الحكومة للحركة الصهيونية، ثم مندوب عربي..

بالتالي كان شعب فلسطين أمام مخطط قد تم إعداده بشكل متقن وبشراكة متعددة الأطراف، من جانب آخر كان هناك عوامل ثانية ساعدت هذا المخطط الاستعماري على شق طريقه في التنفيذ، فالجزء الرئيسي من الوضع العربي الرسمي كان تابعا لتلك الدول وملحقا هامشيا بقراراتها، بل وبعضه قد ساعد في التنفيذ، بالمقابل كانت قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية بالرغم من كل تضحياتها خاضعة للقرار العربي، إضافة إلى ضعفها العام..

وسط كل ذلك كانت الصفحة المشرقة ولازالت تتجسد بصمود شعب فلسطين وتحمله المتواصل على مدار عقود النكبة كافة أشكال التضحيات، من دون أن تنثني هامته، حاضنا للمقاومة ومتمسكا بكامل حقوقه وثوابته الوطنية والتاريخية وفي المقدمة منها حقه في العودة الى دياره بتحقيق القرار الأممي رقم 194 ذات الصلة بذلك والذي صدر عن الأمم المتحدة في  11/12/1948، وهو القرار الذي اشترطت الهيئة الدولية اعترافها بدولة إسرائيل مقابل موافقتها على القرارين 194، و181 الخاص بالتقسيم، وكان لها ذلك، لكن هذا القبول كان من زاوية المناورة والالتفاف، حيث أصبح هذين القرارين من اشد أعداء الكيان الصهيوني.

وإذ كانت بريطانيا صاحبة الدور الأساسي ضمن الدول الامبريالية في المساعدة التامة وعلى كل الصعد لإنجاح هذا المشروع من صدور وعد بلفور وزير خارجيتها في 2/11/1917 الى غاية 15/5/1948 بالتالي فإنها تتحمل مسؤولية رئيسية عما حل بالشعب الفلسطيني من كوارث..فإن الإدارة الأمريكية لم تكن بعيدة عن توفير عوامل الدعم لزرع دولة الاحتلال في المنطقة العربية في تلك المرحلة مع باقي الشركاء من نفس المنظومة، لكن احتلت الصدارة بعد ذلك في توفير مقومات وركائز استمرار وبناء قوتها الاقتصادية والعسكرية بحيث تضمن تفوقها على مجموع محيطها العربي، بالتناغم مع الدعم الوارد من البلدان الأخرى، ثم انتقل الدور الأمريكي إلى مرحلة أخرى،  خلاصته السعي لشطب وطمس الحقوق الوطنية لشعب فلسطين لصالح دولة الاحتلال، بحيث يمكن القول إن الإدارة الأمريكية لم تترك فرصة تجدها مناسبة إلا وحاولت الانقضاض على تلك الحقوق: من مشروع فيشر ثم روجرز في مطلع السبعينات من القرن الماضي إلى تدخلات كيسنجر وفيليب حبيب ولم يكن آخرها مشروع ريغان الرئيس الأسبق لأمريكا الذي أعلنه في اول سبتمبر من عام 1982 بالتزامن الهادف مع خروج آخر فوج من قوات الثورة الفلسطينية من بيروت عن طريق البحر وفقا للاتفاق الذي رعاه المبعوث الأمريكي آنذاك بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل حيث احتلت قواتها الأراضي اللبنانية حتى العاصمة بيروت التي أحكمت حصارها العسكري.

تجدر الإشارة في هذا الميدان: إن كافة المخططات الأمريكية القديمة منها والحديثة، كانت ترتكز على عدد من المحددات: – محاولة تصفية النضال الوطني التحرري لشعب فلسطين أو تدجين أهدافها.-التناغم التام مع الحكومة الإسرائيلية بل وبخضوع الرؤية الأمريكية للرؤية الإسرائيلية في القضايا المتصلة بالصراع العربي الصهيوني تبعا لما نص عليه الاتفاق الاستراتيجي بين الإدارتين.- اختيارها للحظة الزمنية المناسبة بحيث تكون الحالة الفلسطينية مرهقة، مثل وضعيتها بعد ضربة عسكرية مؤذية أو أن تعيش فترة حصار متعدد الجوانب.-محاولة إفراغ عنوانها النضالي المتمثل في منظمة التحرير من مضمونه الوطني الكفاحي، توطئة لاستيعابه.- أن يكون لبعض أدواتها العربية دور محدد في تحقيق مخططها: كتجفيف  مصادر الدعم الاقتصادي، أو المضايقة على العمالة الفلسطينية في تلك البلدان. يخطئ من يعتقد أن الموقف الأمريكي قد تغير أو تحسن في التعامل مع الحقوق الفلسطينية أو ما تبقى منها فالإدارات الأمريكية المتعاقبة في البيت الأبيض من جمهوريين وديمقراطيين  في عصر كلنتون أو بوش الإبن وصولا للرئيس اوباما لا اختلافات ولا تغيرات تطال جوهر الموقف، لقد تسابق الحزبان حول من له الأولوية في طرح حل الدولتين مع العلم أن حل الدولتين كان مضمون قرار التقسيم 181 ، وتلخيصا للموقف الأمريكي نقول: إن بنود مشروع اتفاق  الإطار الذي روجت له الإدارة الحالية وتنقل به وزير خارجيتها جون كيري في جولات شبه مكوكية بين دول المنطقة العربية وبين رام الله وتل ابيب تشكل الرؤية الثابتة للبيت الابيض اتجاه الحقوق الفلسطينية ونحو تصفيتها النهائية.

وفعلا لو نجح كيري في تسويقها أو حتى تسويق جزء منها لشكلت الضربة القاضية لتلك الحقوق، وبغض النظر عن المصطلحات المستخدمة في هذا المشروع بهدف التضليل إلا أنه سعى لشطب: قضية القدس كعاصمة لدولة فلسطين، حق العودة تبعا للقرار 194، ضم أراضي الجانب الفلسطيني من نهر الأردن لدولة الاحتلال، إضافة الى محاولة شرعنة المستوطنات في الضفة الغربية والسعي لتمرير المطلب الإسرائيلي حول يهودية الدولة.

لقد توحد الموقف الفلسطيني بأركانه المختلفة لرفض مشروع اتفاق الإطار مما حدى بالإدارة الأمريكية لطي أوراقه في هذه الأيام والاستعداد لجولة أخرى. لقد استمرت الرعاية الأمريكية للمفوضات الفلسطينية الإسرائيلية  لأكثر من عقدين من الزمن، ماذا كان حصادها، ما هي نتائج المراهنة على التسوية الأمريكية أو على المفاوضات تحت قبعتها، هل قامت الدولة الفلسطينية عبر المفاوضات، هل انسحب الجيش الصهيوني من الضفة الغربية أو رفع حصاره عن قطاع غزة.. ماذا تقول المعطيات المرئية وليس المقروئة فقط، إنه الاستثمار الإسرائيلي لهذه المفاوضات في الانتهاء من عملية تهويد القدس، مضاعفة التمدد الاستيطاني..أي شطب المقومات العملية لقيام الدولة الفلسطينية على الأراضي التي احتلت عام 1967، أصبحنا أمام وقائع صهيونية جديدة ومنها أيضا: مواصلة ترويض العقل الفلسطيني والعربي من أجل تقبل موضوعات كانت لوقت قريب من المحرمات.

ربما يكون أفضل حدث بمناسبة هذه الذكرى السنوية للنكبة هو إعلان مخيم الشاطئ للمصالحة في 23/04/2014 بعد سبع سنوات من الانقسام الكارثي بتداعياته القاسية على مجمل النضال الوطني، من واجب الجميع إبعاد هذه الجولة من المصالحة عن أي ألغام موقوتة، لأن الوحدة الوطنية المتكئة على برنامج الإجماع، المقرونة بالخروج من نفق المراهنة على العامل الخارجي لتحقيق الأهداف الوطنية تكون في مقدمة دروس النكبة. 

مقالات ذات صلة