الرأي

في ذكرى اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954.. الوفاء، النصر، الوثبة

بقلم: د.عبد السلام فيلالي
  • 492
  • 0

هذه السنة (2025،) تمر إحدى وسبعون سنة على ذكرى اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954، أو قل ثورة الجزائر العظيمة، تاريخ ميلاد جديد لوطن عاش تحت براثن الاستعمار والاستعباد، لما أعلنها جيل فريد وصادق من المناضلين الوطنيين، جيل لم يعترف بالمستحيل، آمنوا أنه بالإيمان والعمل فقط يمكن تحقيق الهدف الأسمى والطموح الأكبر بل وأيضا الحلم المستعصي، أي الاستقلال وبناء دولة ذات سيادة يعيش فيها أبناؤها في كرامة. في دجى ذلك الليل الاستعماري أشعلوا شمعة أناروا بها وجوها بائسة عاشت ويلات الإلغاء بكل أصنافه.
ذكرى نحتفل بها، بفخر وباستعداد بأن الجزائر وطن الفداء الذي ضحى في سبيل حريته واستقلاله مليون ونصف مليون شهيد، هي أمانة تستحثنا على السؤال دائما: هل نحن جديرون؟ أمانة تعني صون العهد الذي أختط بالدم والآلام، أي جزائر النهوض والانتصار. وذلك واجبنا. واجب يُستوعب ليس كرهان يخص أفرادا أو فئة، بل غاية أمة بأكملها تعتز بهذه الأمانة.. هذه الرسالة. بما يؤدي إلى استيعاب الروح الثورية الكامنة في البيان الذين أصدروه، بيان أول نوفمبر، وحراكهم التاريخي بتوظيف مجد وعناصر قوة الأمة الجزائرية وتوجيهها نحو الأهداف التي تمثَلوها وضحوا في سبيلها. نهضة تأخذ معناها من الاندفاعة الفريدة التي جسدوها في ظروف الاستعصاء وسوء الحيلة في بيانهم الموجه إلى الشعب الجزائري، بصيغة التجاوز والقطيعة من خلال إعلان الثورة المسلحة كحل جذري للوضع القائم وإنها المشروع الاستعماري الاستيطاني بإطلاق مشروع المجتمع الجديد.
رسالة بيان أول نوفمبر التي جاءت في صيغة نداء مُعدٌ من قبل “مجموعة من الشباب المسؤولين المناضلين الواعين”، كانت وجهتها الشعب الجزائري والمناضلين من أجل القضية الوطنية”، وفق اعتبار أساسي بأن “الحركة الوطنية قد أدركت مرحلة التحقيق النهائية”، ومن دون إقصاء لكن بشرط حاسم هو الانضمام إلى “الكفاح التحرري دون أدنى اعتبار آخر”، فالهدف أسمى ويستدعي التضحية وتظافر الجهود و”تعبئة كل الموارد الوطنية”.
رسالة، أيضا بنبرة متفائلة مُصمِمة على تحقيق الهدف المركزي المتمثل في الاستقلال الوطني والذي نقرأه في مضمون البرنامج السياسي لجبهة التحرير الوطني الذي ينبني على مرجعية ذات أساسين:
– إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية.
– احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني.
وفي نفس الوقت يكون هذا البيان مرجعية ومنهاجا للعمل في المستقبل، فهو بذلك استشراف وقاعدة شرعية للبديل الوطني على أنقاض ما كان فُرض كواقع عنصري طبقي (أسياد وعبيد) فهو بالتالي بعد الرفض يتجاوز معطيات الماضي والحاضر، وأن ما يأتي يجب أن يكون أولا انعتاقا من نير العبودية والاستيلاب وثم تجسيد طموحات برنامج الحركة الوطنية وفق تطلعات الشعب الجزائري الذي حرم من الامتيازات السياسية ومن متطلبات العيش الكريم. عنوان هذا المشروع الذي تفصل أبعاده ومضامينه مناشير ووثائق ثورة التحرير على امتداد سنوات الكفاح إلى غاية ميثاق مؤتمر طرابلس (لسنة 1962) ثم دستور الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية (لسنة 1963)
تفاؤل حكم أيضا عمل باعثي عملية البناء الوطني بعد الاستقلال، انطلاقا من مفهوم الواجب والوفاء لدماء الشهداء الأبرار، والذي قد يكون ناقصا بالمقارنة مع ما قدموه: “بأن هؤلاء اللي ماتوا أداو الواجب تاعهم كاملا”.
اندفاعة نحو التحرير وبناء المجتمع الجديد من خلال إطلاق مشروع تنموي طموح بمحدده الأساسي: العدالة الاجتماعية على جميع الصعد: السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية. وبروح الأخوة التي تعني التضامن والتساند وإنكار الذات.
كان ذلك من خلال بناء دولة قوية تستطيع تنمية البلاد وتفرض هيبتها على الصعيد الدولي، مثلما صرح الزعيم الراحل هواري بومدين خلال زيارته إلى تيارت سنة 1966: “نعتبر أن بناء الدولة الجزائرية هو شرط أساسي لكل تقدم وعنصر ضروري لأي تنمية المجتمع الجزائري. هذا المجتمع لا يمكن أن يتقدم أو يتطور إلا إذا توصل إلى بناء دولة بأتم معنى الكلمة. أي دولة قوية تدافع عن حقوق الشعب، دولة تتمتع باحترام الجميع. وهذا هو الهدف الذي نسعى إلى تحقيقه. وذلك لأن بناء دولة هو ضمان التنمية وعامل نهوض للأمة الجزائرية التي يجب أن يعاد لها معناها الحقيقي ورمزها الذي سلخها منه الاستعمار”، الدولة القوية.
ثم من خلال نقل الروح الثورية التي صار الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني بعد الاستقلال، هو حامل لوائها من حيث أنه:” جزء لا يتجزأ من الشعب والذي يقف على استعداد دائم لخدمته فهو يساهم بجد وحزم في معركة البناء والتشييد”، والذي أصبح: “قوة عصرية منظمة”. (الاحتفال بالذكرى 11 للثورة)
وثالثا، من خلال نخب وطنية واعية وبمشاركة المواطنين، فيكون لدينا بالتالي، مؤسسات دولة تنبذ الفساد والمصلحة الخاصة، مدركةٌ لرهانات الظرف التاريخي الذي تمر به بلادنا والتحديات الإقليمية والتحولات عالمية.
تلك هي دعائم المشروع الوطني النوفمبري الذي نحن بأمس الحاجة إلى استحضاره في مسار النهوض من أجل تحقيق تطلعات أجيال الوطنيين الشرفاء الذين نجحوا في إعادة هيكلة الوجهة خلال حراك الشعب لـ 22 فيفري 2019. مشروعٌ ووجهةٌ وَضعتُ لهما أفقا هو مئوية الاستقلال (سنة 2062) وهي مدة قصيرة في تاريخ الشعوب والأمم، 37 سنة. بمنظار تحديد الأهداف والأولويات على المستويين الوطني والدولي.
اليوم، إن الإشكال حول مستقبل بلادنا هو من جنس السؤال الذي طرحه الأباء المؤسسون للعمل التحرري:”هل نحن ثوريون؟”، والتي تدور حوله مقاصد النهضة الشاملة عند الأفق الزمني المحدد كيما يجعلنا فخورين ومعتزين بأننا أنجزنا أهداف ثورتنا المظفرة، وبالتالي هذا شرفنا الأبيد. ولهذا نرى أنفسنا ننخرط بوضوح والتزام في مفهوم النصر (الجزائر المنتصرة) كحافز أولي في استراتيجية جعل بلدنا ضمن الدول الناهضة/الناشئة.
هكذا تموضع، من خلال الوفاء والوثبة، يحيل إلى تغيير أنماط المقاربة التي ينبغي أن تركز على المواطن كمحور لكل تحرك ثم المواطنة التي تنقل وجوده الاجتماعي – السياسي من حالة التلقي والتفاعل السلبي إلى مشاركة تتطلب أولا إدراك بالأدوار الجديدة ثم الواجبات غير القسرية في إطار ما تقره قوانين الجمهورية الجزائرية وتحمل الأعباء. نقصد هذا الحرص على إنجار مسار التحول العام وهيكلة المجتمع وفق محددي المعرفة والعمل، هذان العاملان هما اللذان يكرسان انتظام بنى المجتمع بالنسبة لمؤسسات الدولة التي تروم دوما تحسين شروط العيش، النمو الاقتصادي، وكفاءة الأداء. كذلك إدراك تام وعلمي لمدخلات القيم المجتمع الجزائري من ناحية ما يتوفر عليه من موارد مادية وبشرية وعمق تاريخي أصيل، فتأهليها لكي تُستخلص منها مخرجات بمردودية عالية. هيكلة تعني أيضا تغيير في أنماط السلوك الفردي بحيث يتم التخلي عن السلبية وعدم الانضباط والاستجابة إلى شروط النظام.
إن ما تشهده بلادنا من تحولات، التي قد لا تبدو ظاهرة بالشكل الذي يجعلها كذلك، قد تأتت بواسطة استرجاع الثقة بين المجتمع والدولة، عندما رأى ويرى المواطن أن هذا الضبط لا يستثني أي فئة مهما علا شأنها وكان حجم انتفاعها المادي والتمركز ضمن دواليب الحكم. فعلى هذا يجب أن يتعمم هذا الشعور بأن الدولة بمعاني التجديد والنصر تروم تكريس قيم احترام الفرد وتقدير المؤسسات والانخراط في الشأن العام. بوسعنا ضبط هذه الأهداف بما كان حصل خلال أشهر حراك الشعب تحت وسم عقد مواطناتي، حددنا مبانيه أولا بالنسبة إلى المشروع التنموي الوطني ثم بالنسبة إلى نماذج رائدة لما سمي بالدولة الناشئة.
وعليه، لا يجب أن يقتصر استحضار عظمة ثورة أول نوفمبر 1954 المظفرة على التمجيد، إنما أضا على إعادة تعريف صيغ التحرير والتغيير بدلالة فرض الذات في عالم اليوم الذي أضحى فيه مفهوم السيادة قابلا للانتهاك بسهولة أحيانا بتقبل الإملاءات حين تغيب أسباب القوة.
إن التفكير ضمن أفقنا مئوية الإستقلال يحيل ويستدعي أن نكون فاعلين مقتدرين خاصة مع ما نلاحظه من خلال الحرب الدائرة رحاها بأوكرانيا ومع التراجع الملحوظ على محددات العولمة وبروز التطلعات القومية.
والمجد والخلود لشهدائتا الأبرار، تحيا الجزائر.

مقالات ذات صلة