-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

في ذكرى تحرير بيت المقدس (1)

سلطان بركاني
  • 557
  • 0
في ذكرى تحرير بيت المقدس (1)

في السابع والعشرين من شهر رجب، من العام 583م، تحرّر بيت المقدس من الصليبيين وتطهّر الأقصى من الصلبان.. نصرٌ مؤزّر نُقش على صفحات التاريخ بأحرف من قوة واستعلاء مع رحمة، باسم رجل من رجال الأمّة الصادقين الذين يحملون همّ الدّين والأمّة، ويغارون لحرماتها ومقدّساتها، البطل المغوار “صلاح الدين الأيوبي” الذي عرف لبيت المقدس قدره، فحمل منذ نعومة أظفاره همّ تحريره، وقد أُثر عنه أنّه حينما أصبح قائدا يتقدّم الصّفوف ألزم نفسه الامتناع عن الضّحك، وكان يقول: “كيف أضحك والأقصى أسير بأيدي الصليبيين؟”!
تربى صلاح الدين الأيوبي في كتاتيب القرآن على مائدة الوحي، فتعلّم أنّ العليّ الأعلى –سبحانه- حينما أراد أن يدعو خير خلقه -عليه الصّلاة والسّلام- إلى الملكوت الأعلى ليسلي قلبه عمّا ألمّ به من حزن بعد وفاة عمّه أبي طالب وزوجته خديجة وبعد الذي لاقاه من صدود وإعراض وأذى من قومه؛ حينما أراد المولى ذلك، لم يعرج بنبيّه من المسجد الحرام إلى الملأ الأعلى مباشرة، إنّما أسرى به قبل ذلك إلى المسجد الأقصى، ليصلّي هناك بالنبيين إماما، في درس ربانيّ واضح بأنّ الرسالة الخاتمة هي الوارثة للإسلام، وحملَتُها هم الأحقّ بالمسجد الأقصى.
تعلّم صلاح الدين الأيوبيّ أنّ الحبيب المصطفى –صلّى الله عليه وآله وسلّم- في الأيام الأخيرة من حياته الغالية، جيّش جيشا بقيادة شابّ من شباب الأمّة اليافعين، هو أسامة بن زيد –رضي الله عـنه- الذي لم يتجاوز يومها الحادية والعشرين من عمره، وأمره بأن يسير باتّجاه الرّوم في أرض الشّام، حتى يصل إلى البلقاء ويطأها بخيله، والبلقاء كانت تابعة يومها للروم، وهي الآن تقع ضمن الأراضي الأردنية على بعد 50 كم من المسجد الأقصى، لا بل إنّ النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- أمر القائد الشابّ بأن يصل بخيله إلى الداروم من أرض فلسطين، والداروم تقع الآن في قطاع العزّة غزّة.. وفعلا انطلق جيش أسامة بعد وفاة النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- في وقت حرِج مرّت به الأمّة ارتدّت فيه كثير من قبائل العرب وأصبحت المدينة النبويّة مهدّدة بغزو الأعراب المنقلبين، ومع ذلك أصرّ الصدّيق على إنفاذ الجيش إلى فلسطين، فمضى الجيش حتى وصل إلى الأرض المباركة وبثّ الرّعب في قلوب الرّوم.. وفي هذا رسالة واضحة لشباب الأمّة عبر الأجيال أنّ فلسطين يجب أن تكون وتبقى لأمتكم، ولا يكون ذلك إلا حينما تتربون على ما تربّى عليه أسامة بن زيد حِبّ رسول الله – عليه الصّلاة والسّلام –.
كما عرف صلاح الدين الأيوبيّ أنّ المسلمين في عهد خلافة الصديق – رضي الله عنـه – انطلقوا بقيادة البطل المغوار أبي عبيدة بن الجراح كالأسود إلى أرض الشامّ وعيونهم على بيت المقدس والمسجد الأقصى، وأخذوا يطوون أرض الشام المباركة ويضمّونها إلى حياض الإسلام ويمرّغون أنف الإمبراطورية الرومية في التراب.. وعلى الرغم من أنّ خليفة رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – أبو بكر الصدّيق انتقل إلى الرفيق الأعلى في شهر جمادى الأولى من السنة 13 للهجرة، وفقد المسلمون بموته حكمة رجل خبير بالحروب، إلا أنّ المسلمين واصلوا فتوحاتهم في أرض الشّام حتى فتحوا دمشق في 20 رجب سنة 13هـ، وبدؤوا يتهيؤون لفتح بيت المقدس.
في عهد خلافة فاروق الأمّة عمر بن الخطّاب – رضيَ الله عنه – وصل المسلمون إلى تخوم بيت المقدس، وحاصروها 4 أشهر، فلم يجد أهلها بُدا من الاستسلام وهم يرون تلك الجيوش الدفاقة التي أحاطت بالمدينة، وطلبوا أن يحضر خليفة المسلمين بنفسه ليسلّموا إليه مفاتيح المدينة، وبالفعل انطلق الفاروق عمر على بغلته من المدينة قاصدا بيت المقدس، يتناوب هو وغلامه على الدابة حتى وصلوا المدينة المباركة في 13 رمضان من سنة 15 هجرية الموافق لـ 18 أكتوبر من سنة 636 ميلادية، وكان الدّور للغلام ليركب، فركب وخليفة المسلمين يقود به الدابّة ماشيا على قدميه.. تلقاه أبو عبيدة وقادة الجيوش، فترجل أبو عبيدة وأهوى ليقبل يد عمر بن الخطاب، لكنّه فوجئ بخليفة المسلمين يهوي ليتقبّل قدم قائد جيوشه، فرفض أبو عبيدة ذلك.. في رسالة واضحة مفادها أنّ الفتح الربانيّ يتنزّل على أيدي أمثال هؤلاء القادة الذين يخضعون لله ويتواضعون لعباد الله، ويعرفون للمجاهدين قدرهم وفضلهم.
تسلم أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب مفاتيح مدينة القدس، وأمّن النّصارى على أرواحهم وشعائرهم الدينية، ودخل المسجد الأقصى من ذات الباب الذي دخل منه النبيّ –صلى الله عـليه وسلم- ليلة الإسراء.. وبذلك عاد بيت المقدس إلى ورثة رسالة الإسلام الخالدة، وأمسى المسجد الأقصى في حوزة المسلمين.
بعد هذا الفتح العمري، ظلّت القدس بأيدي المسلمين قرابة 5 قرون، حتى سقطت في أيدي الصليبيين سنة 492هـ/ 1099م، بعد سقوط أرض الشّام، بسبب الخلافات والصراعات التي نشبت بين المسلمين، بين السلاجقة والعبيديين وبين السلاجقة أنفسهم.. وظلّت القدس بحوزة النّصارى 91 سنة كاملة.
خلال تلك السنوات الحزينة لم ينس المسلمون بيت المقدس، ولا المسجد الأقصى، حتى ظهر القائد السلجوقي البطل الأسد الواثب “عماد الدين زنكي” الذي أقضّ مضاجع الصليبيين في أرض الشّام بتخطيطه المحكم وانتصاراته المدوية المتلاحقة، فلم يجدوا من وسيلة إلا أن اشتروا عملاء اندسوا بين الصفوف حتى وصلوا إلى القائد المغوار وقتلوه غيلة وغدرا سنة 541هـ، فحمل الراية من بعده ولده الملك العادل “نور الدين محمود”، الملقب بالشهيد، الذي كان بيت المقدس نصب عينيه، وبدأ بتمهيد طريقه بإرساء العدل وإلقاء الدّنيا خلف ظهره. كان –رحمه الله- لا يتوانى في تطبيق الشّرع على القويّ قبل الضّعيف وعلى القائد قبل التابع، حتى قيل عنه إنّه كان أعدل قائد في الأمّة بعد الخلفاء الراشدين الأربعة وبعد عمر بن عبد العزيز، وكان يقول: “نحن نحفظ الطريق من لص وقاطع طريق، والأذى الحاصل منهما قريب، أفلا نحفظ الدين ونمنع عنه ما يناقضه، وهو الأصل؟”. كان قوّاما ينام إلى منتصف الليل، ثمّ يقوم ويطيل صلاته حتى الفجر.. كان زاهدا مقتصدا في نفقته، حتى إنّ أدنى الفقراء من رعيته ينفق أكثر منه.. وعلى يدي نور الدين محمود تحررت كثير من مدن وحصون الشّام من أسر الصليبيين.. ولكنه مات قبل أن يحقق هدفه الأسمى تحرير بيت المقدس.
يتبع بإذن الله…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!