في ذكرى تحرير بيت المقدس (2)
كان القائد البطل نور الدّين محمود يُمنّي نفسه ويعمل ليل نهار ليكون تحرير بيت المقدس على يديه، لكنّ المنية حالت بينه وبين الأمنية، حيث مات –رحمه الله- في العام 569هـ/1174م.. ليتولّى حمل الراية من بعده تلميذه النجيب، الأسد الذي قلّ نظيره في تاريخ البشريّة، “صلاح الدين الأيوبي” الذي ملَك تحريرُ المسجد الأقصى سويداء قلبه، حتى امتنع عن الضّحك، وكان يقول: “كيف أضحك والأقصى أسير بأيدي الصليبيين؟!”.
أكثر ما أهمّ صلاح الدين الأيوبيّ على طريق تحرير الأقصى، هو تفرّق المسلمين وتشتّتهم؛ فقرّر العمل على توحيد الشام ومصر والعراق.. وجد في مصر عقبة كؤودا هي الدولة العبيدية، فأزاحها، ثمّ التفت إلى الشام فوجد كثيرا من أمرائها يرفضون الانضواء تحت رايته، بل إنّ منهم من فضّل دفع الجزية للصليبيين على الانضواء الانضمام إلى صلاح الدّين! فاضطرّ لتأديبهم وإعادتهم إلى رشدهم.. وخلال الفترة بين 570هـ و578هـ، تعرض القائد المظفّر لمحاولات اغتيال عدّة، ولكن الله -عز وجل- حفظه، ليبدأ طريقه لتحرير بيت المقدس سنة 580هـ، باستثارة الهمم ليس في مصر والشام فحسب، بل في الحجاز واليمن كذلك، لأنّ مهمّة تحرير بيت المقدس هي وظيفة الأمّة كلّها وليس جزء منها فحسب.. وعلى الطريق إلى بيت المقدس، فتح كثيرا من المدن والحصون الصليبية، حتى بدأت معالم الطّريق تتّضح.
وفي الوقت الذي بدأت فيه جحافل صلاح الدّين تقترب من حصون الصليبيين في الأرض المباركة، دبّ بينهم الخلاف، خاصّة بعد وفاة ملك بيت المقدس “بلدوين الخامس” سنة 582 هـ.. استغلّ القائد المسلم الفرصة السّانحة، وجمع الجموع وانطلق باتجاه بيت المقدس، فخرج الصليبيون لملاقاته، والتقى الجيشان في حطّين التابعة لفلسطين، في 25 ربيع الآخر سنة 583هـ، ليخوض المسلمون واحدة من أعظم معارك التاريخ التي لم ينسها الصليبيون إلى يوم الناس هذا.. كان عدد جنود صلاح الدين 25 ألف مقاتل، في مقابل 63 ألفا من الصليبيين، ولكن ((كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين)).
في الليلة التي سبقت المعركة كان القائد صلاح الدين الأيوبي يتفقد خيام جنوده؛ فيسمع من هذه الخيمة قيام أهلها وهم يصلون، ومن هذه أهلها وهم يذكرون، ومن تلك أهلها وهم يقرؤون القرآن، فكان يقول: “من هنا يأتي النّصر”، حتى مر بخيمة كان أهلها نائمين، فقال لمن معه: “من مثل هذه الخيمة نؤتى”.
حين بدأت المعركة، أمر القائد جنده بأن يركزوا قوتهم للاستيلاء على صليب النصارى المسمى بـ”الصليب الأعظم” الذي يعتقد الصليبيون أن فيه قطعة من الخشبة التي صلب عليها نبي الله عيسى -عليه السّلام-، وما أن استولى عليه جيش المسلمين حتى دبّ الخوف والذّعر في قلوب الصليبيين، فأعمل فيهم جند الله السيوف، وقتلوا 30 ألفا وأسروا 30 ألفا، بينهم معظم ملوك وأمراء الصليبيين، وأمكن الله القائدَ صلاح الدين من “أرنولد” أمير الكرك الصليبي الذي أجرم بحق المسلمين وسبّ رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم-، فاقتصّ منه وأرى أتباعه صولة أتباع محمّد – عليه الصّلاة والسّلام –
عقب هذا الانتصار السّاحق، بسط المسلمون سيطرتهم على مدن صيدا وبيروت وجبيل والرملة وعكا وطبرية ونابلس وعسقلان ويافا والناصرة، وأصبح الطّريق ممهدًا إلى بيت المقدس، وما هي إلا راحة محارب لم تدم طويلا حتى انطلق أُسد الشّرى إلى بيت المقدس في 60 ألف مقاتل من العرب والكرد والتركمان، وذلك يوم 15 رجب 583هـ/ 20 سبتمبر 1187م، وفرض صلاح الدّين الحصار على المدينة وقطع الإمدادات عن الصليبيين، واستمر الحصار والقتال على أسوار القدس 12 يوما، دافع الصليبيون خلالها بكلّ شراسة عن مدينة تحمل على أرضها “كنيسة القيامة” المقدّسة عندهم، وحمي الوطيس بشدة، واشتد المسلمون في قتالهم، وهم يرمقون قبة الصخرة يعلوها صليب كبير، حتى استطاعوا أن يحدثوا ثغرات في سور المدينة، وبدأت دفاعاتها تتضعضع، وتزاحم النصارى في الكنائس للصَّلاة، وأخذوا يضربون أنفسهم بالحجارة، ويرجون المدد والرَّحمة من الربّ، وقطعت النِّساء شعور بناتهنَّ لإثارة حمية الرِّجال، لكنّ كلّ ذلك لم ينفعهم أمام رجال يستمدّون قوتهم من الواحد الأحد.. وحين أدرك الصليبيون أنّ المدينة ستسقط لا محالة، خرج أميرهم “باليان” وطلب تسليم المدينة صلحًا.
ففتحت المدينة يوم الجمعة 27 رجب 583 هـ الموافق لـ2 أكتوبر 1187م، في ذكرى الإسراء المعراج.. وكان يوما مشهودا وقف فيه العالم النصرانيّ على قدم واحدة، وهو يرى المدينة المقدّسة تعود إلى المسلمين، بعد 91 سنة من الاحتلال، ويرى المسجد الأقصى يتطهّر من الصلبان ويُرفع على مئذنته الأذان.
كان النصارى ينتظرون من صلاح الدّين الأيوبيّ أن يُعمل السيف في رقاب الصليبيين فلا يترك منهم رجلا ولا امرأة ولا طفلا، ويفعل بالصليبيين ما فعله أجدادهم بالمسلمين حينما احتلوا بيت المقدس قبل 91 سنة، ولكنّه أظهر سماحة تليق بدين الإسلام، حيث أطلق سراح الآلاف من فقراء النصارى من دون فدية ولا جزية، وسمح لزوجات الصليبيين بلقاء أزواجهنّ الأسرى والأخذ بأيديهم. أما النساء والبنات اللاتي مات أزواجهن وآباؤهنَّ؛ فقد أمر بأن يصرف لهنَّ من خزانة الأمّة الخاصَّة ما يناسب عيشتهن ومركزهن، وأعطاهنَّ حتى ابتهلت ألسنتهنَّ بالدُّعاء له.
هكذا كان أُسد الإسلام قوة وبأسا في رأفة ورحمة، تعلّموا كلّ ذلك من قدوتهم المصطفى –عليه الصّلاة والسّلام-.. وعلى دربهم يسير أُسد هذا الزّمان في كتائب العزّ والإيمان الذين أطلقوا طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023م، ليستنهضوا المسلمين لاسترداد أقصاهم، ولكنّ الأمّة –إلا من رحم الله- خذلتهم وخانتهم، واتّهمها المرجفون وأهل الخور بالتهور، وتآمروا مع الصهاينة ضدّها، ولكن يأبى الله إلا أن ينجز وعده بأن تظلّ الطّائفة المجاهدة في أكناف بيت المقدس ظاهرة، لتنقُل معركتها من غزّة إلى الضفّة، وتقترب أكثر من بيت المقدس والمسجد الأقصى، وتعطي أروع الأمثلة في الوفاء والثبات، رغم خيانات الخائنين ومدمني التنسيق الأمني الذين وجّهوا أسلحتهم إلى رقاب المقاومين بدل أن يوجّهوها إلى رقاب المحتلين.