الرأي

في ذكرى معركة الزلاقة

سلطان بركاني
  • 1049
  • 0

لعلّه من المناسب ونحن نعيش الأيام الأولى من شهر رجب، أن نستذكر أحداث معركة فاصلة كانت أرض الأندلس مسرحا لها، في مثل هذا الشهر من العام الهجريّ 479، بين مسلمي الأندلس يؤازرهم إخوانهم المسلمون المغاربة، من جهة، وبين النّصارى الصليبيين القشتاليين من جهة أخرى، في وقت كانت فيه الأمّة تعاني تفرّقا وتشتتا وضعفا وهوانا يشبه إلى حدّ كبير ما تعيشه في أيامنا هذه. وما كان أحد يتوقّع للمسلمين وهم على تلك الحال أن ينتصروا على الصليبيين ويسطروا ملحمة سجّلت على صفحات التاريخ باسم “معركة الزلاقة” واتفق المؤرخون على أنّها أطالت عمر الإسلام في الأندلس 4 قرون كاملة أخرى، بعد أن كانت الأمم ترقب انكساره.

في السنوات والعقود التي سبقت هذه المعركة الفاصلة، كانت أندلس الإسلام والحضارة تعيش أياما سوداءَ حالكة، انقسمت فيها إلى دويلات وأقاليم صغيرة، بلغ تعددها 22 دويلة، على رأس كلّ دويلة منها ملك، سمي مجموعهم “ملوك الطوائف”، اشتعلت بينهم النزاعات ونشبت بينهم المؤامرات، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى الاستعانة بالإسبان النصارى الصليبيين ضدّ بعض! ليس هذا فحسب، بل إنّ أكثرهم قد انحدر في دركات سحيقة من اللّهو والمجون وتقليد النصارى في عاداتهم وأخلاقهم وأعيادهم! وقد ذكر ابن حَيّان القرطبيّ أن قرطبة حاضرة المسلمين في الأندلس يومها أصبحت وجهة مفضّلة لعبيد الشّهوات، حيث كان كثير من ملوك الطوائف يطلبون من أميرها كلّ ما يخطر على بالهم من أنواع الملذّات!

هذه الحال المزرية أغرت الصليبيين بأمّة الإسلام في الأندلس، فجمعوا جموعهم وجيّشوا جيوشهم ووحّدوا كلمتهم تحت قيادة “ألفونسو السّادس” أحدِ أشدّ ملوك النصارى بغضا للإسلام والمسلمين. وانطلقوا يحاصرون دويلات المسلمين الواحدة تلو الأخرى. حتى وصلوا إلى “طليطلة” التي كانت قلبَ الأندلس النابض، وكان يحكمها أمير يدعى “يحيى بنَ ذي النون” يلقب نفسه بـ”القادر بالله” لكنّه كان ضعيف الرأي، فاسد الأخلاق، تتحكم فيه نساء القصر والبطانة الفاسدة!

حاصر الصليبيون بقيادة ألفونسو طليطلة حصارا خانقا، بدءًا من سنة 474هـ، ودام الحصار 4 سنوات كاملة، وظلّ المسلمون في طليطلة صامدين صابرين رغم الضيق الشديد الذي عاشوه بسبب الحصار، كانوا ينتظرون من إخوانهم في الدويلات الأخرى أن ينجدوهم، ولكن انتظارهم طال من دون جدوى، وكيف للمسلمين أن ينجدوا إخوانهم وملوكهم قد عقدوا اتفاقيات صلح مع ألفونسو؛ فملك إشبيلية “المعتمد بن عبّاد” مثلا الذي كان تُعقد عليه الآمال، كان قد عقد معاهدة صلح مع ملك النصارى ألفونسو السادس، كان من بنودها ألا يعترض “المعتمد” على حصار ألفونسو لطليطلة… بل قد بلغ الأمر ببعض ملوك الطوائف أنّهم قبلوا بدفع الجزية للنصارى لحماية عروشهم!

بعد حصار دام 4 سنوات، سقطت طليطلة بأيدي النصارى، وكانت نكبة عظيمة نزلت بالمسلمين، أصبح الطّريق بعدها معبّدا أمام الصليبيين… وبالفعل بدأ ألفونسو يتحرّش بإشبيلية التي كانت مجاورة لطليطلة؛ إشبيلية التي صافى ملكها المعتمد بن عبّاد الصليبيين وعقد صلحا مع ملكهم ألفونسو السادس! بدأ ألفونسو يمارس هوايته في إذلال من يذلّون أنفسهم له، فأرسل يهودياً إلى المعتمد بن عبّاد ليأخذ منه الجزية، ثمّ بعث جنوده ليغِيروا على حدود “إشبيلية” ويحاصروها ثلاثة أيام، وأراد أن يمعن في إذلال المعتمد فبعث إليه برسالة يقول له فيها: “كَثُرَ بطول مقامي في مجلسي الذباب، واشتدَّ عليّ الحرّ، فأتْحِفْني من قصرك بمروحة أُروِّح بها عن نفسي وأطرد بها الذباب عن وجهي”… حينما قرأ المعتمد بن عباد الرسالة شعر بالخزي والمهانة، فصحا ضميره، وأدرك شناعة ما فعل حينما تحالف مع النصارى طالبا العزّ فلم يجد عندهم إلا الإذلال والإهانة. فأخذ الرسالة التي بعث بها ألفونسو وكتب على ظهرها: “قرأت كتابك، وفهمت خُيلاءك وإعجابك، وسأنظر لك في مراوِح من الجلود اللمطية تُروِّح منك لا تروح عليك إن شاء الله تعالى”، وعندما وصلت الرسالة إلى ألفونسو وقرأها فهم المقصود وأنّ المعتمد يتوعّده بالمواجهة فارتاع لذلك.

قرّر المعتمد بن عبّاد أن يستعين بإخوانه المسلمين في المغرب الإسلاميّ، وبقائد دولة المرابطين البطل يوسف بن تاشفين الذي كان يحكم دولة مسلمة في شمال إفريقيا تمتدّ من بجاية شرقا إلى المحيط الأطلسيّ غربا… اجتمع المعتمد بن عباد ملك إشبيلية بأمراء الطوائف وعرض عليهم أمر الاستعانة بالمرابطين، ففوجئ بهم يتخوّفون من سيطرة المرابطين على بلادهم، ويقولون له: “أتُدخِل علينا في أندلسنا من يسلبنا ملكنا، ويبدّد شملنا”! فقال المعتمد: “أي والله لا يُسمع عني أبدًا أني أعدت الأندلس دار كفر ولا تركتها للنصارى فتقوم اللعنة عليّ في الإسلام مثلما قامت على غيري”، ويُروى أنّه قال: “لأن أرعى الجمال عند ابن تاشفين في الصحراء، خير لي من أن أرعى الخنازير عند ألفونسو في قشتالة”.

كتب المعتمد إلى ابن تاشفين يستنصره بحقّ الإسلام، فقرر ابن تاشفين أن يجيب النّداء، وقال: “أنا أول منتدِب لنصرة هذا الدين”، وعبر البحر في جيش عظيم باتجاه الأندلس، ولما علم ألفونسو ملك النصارى بتحرك ابن تاشفين كتب إليه يهدّده ويتوعّده، فرد عليه ابن تاشفين بقوله: “الجواب ما تراه لا ما تسمعه”.

وصل يوسف بن تاشفين إلى “إشبيلية” ومكث بها ثمانية أيام يرضّ الصفوف ويعدّ العدّة، وكان بين ذلك مكثراً من الدعاء والقيام والصيام والقيام وأعمال البر… وفي الجانب الآخر استنفر “ألفونسو” النصارى حتى لم يدع أحداً في أقاصي مملكته يقدر على القتال إلا جنّده، وتجمع جموع الصليبيين معهم القُسس والرهبان يحرضونهم على القتال. فلما أبصر ألفونسو جيشه ورأى كثرته أخذه العجب والغرور فقال: “بهذا الجيش ألقى إله محمد، صاحب كتابكم”!

التقى الجمعان في سهل “الزلاقة” وكان تعداد جيش المسلمين 48 ألفاً، نصفهم من الأندلسيين ونصفهم من المرابطين، وتعداد الصليبيين يقرب من 180 ألف! أراد ألفونسو الغدر بالمسلمين فكتب إليهم أن يؤجّلوا القتال إلى يوم الإثنين، وكان يضمر أن يخدعهم فيباغتهم قبل ذلك. وقد شعر المعتمد بن عبّاد أنّ ألفونسو يضمر الغدر والخديعة، فقال ليوسف ابن تاشفين: صلّ أنت بالمسلمين صلاة الجمعة، وأنا سأكون في خلفكم تحسبا لغدر هذا الخنزير…  وبالفعل حينما كان المسلمون في الركعة الأولى من صلاة الجمعة إذ بخيل الصليبيين في وجوههم، وإذ بالمعتمد وأصحابه من وراء الناس يصدّون هجوم النصارى، وقاتل المرابطون إلى جانب إخوانهم الأندلسيين قتال الأبطال، وكان القادة في الصفوف الأولى، يوسف بن تاشفين والمعتمد بن عبّاد الذي أراد أن يكفّر عن خطيئته في خذلان طليطلة، وقد أُثخن المعتمد بالجراح، وسقطت تحته ثلاثة أحصنة، وثبت المسلمون ثبات الأسود، حتى هَزم الله العدو، وولى الصليبيون الأدبار، وفرّ ألفونسو في جماعة من أصحابه بعد أن أصابته طعنة في فخذه. وأعزّ الله جنده.

كان يفترض في ملوك الطّوائف أن يفهموا الدّرس ويأخذوا العبرة ويتعلّموا أنّ الإسلام والاتحاد هما الحصن الحصين لملكهم، ولكنّهم عادوا مرّة أخرى إلى الخلاف والشّقاق، وهو ما اضطرّ أمير المرابطين ليعبر البحر مرّات عديدة ليؤدّب أولئك الملوك، وفي المرّة الأخيرة، سنة 496هـ، عبر البحر ليضمّ الأندلس كلّها إلى سلطانه.

مقالات ذات صلة