الرأي

في رحيل الأيقونة الجزائرية: “عمّي لخضر”.. رمز ثورتي التحرير والتغيير

زياد حافظ
  • 181
  • 0
ح.م

أطفأ داء الكورونا شمعة مضيئة للثورة العربية مع رحيل المجاهد الرائد “عمي” لخضر بورقعة كما نسمّيه بحرارة بالغة في المشرق العربي وربما أيضا في وطنه الأول الجزائر. “عمّي لخصر”، وكأنه أب لجيل كبير من الشباب العربي، كان رمزا لهذه الثورة، ثورة التحرير ومن بعد ذلك ثورة التغيير في الجزائر، في وجدان جيل كامل في المشرق العربي عاش عزّة حرب التحرير ونشوة الانتصار في الجزائر على الاستعمار. والثورة الجزائرية توأم في وجداننا في المشرق العربي للقضية الأم قضية فلسطين. ف “عمّي لخضر” كان ذلك الشخص الذي جسّد في نفسه اندماج القضيتين كما جسّد انتماؤه العروبي في تسمية كريمتيه التوأمتين “سيناء” و”جولان”. ففيما يتعلّق بالجزائر وما تمثّله ثورتها وما تمثّله فلسطين في مشروعنا الوحدوي العربي القضية واحدة. فالمسألة محسومة في حامضنا النووي. وبالتالي لا يمكننا إلاّ أن نلتقي مع “عمّي سي لخضر” دون مقدّمات ودون سابق معرفة وكأننا نعرف بعضنا منذ بداية الزمن.

لكنّي تعرّفت إلى “عمّي لخضر” في مطلع العقد الثاني من هذه الألفية في المؤتمر القومي العربي وفي المؤتمرات والندوات الداعمة لسورية في وجه العدوان الكوني عليها وعندما بدأت تباشير المؤامرة الكبرى لإسقاط الدول العربية الواحدة تلو الآخر وثم في العديد من الملتقيات الداعمة لقضية فلسطين والمقاومة بشكل عام. وما سمعته منه وعنه في تلك الأيام هو نقضه للمعارضات العربية التي كانت تستقوى بقوى خارجية وخاصة تلك الدول الاستعمار القديم والجديد. كما سمعت تأكيداته في التزامه بقضية فلسطين والخيار المقاوم لتحرير فلسطين. فهمت أن ذلك المجاهد يفرّق بين ما يعتبره ضرورة للتحرير وللتغيير وما لا يجوز الوقوع فيه لإجراء التحرير والتغيير. فلا تحالف ممكن مع أجنبي ضد الوطن لتحقيق التغيير بغض النظر عن الرأي لمن يحكم الوطن.

لم أكن بحاجة إلى الاستماع إلى القصص عن “عمّي لخضر”، وهي كثيرة، لمعرفة طينة ذلك الرجل. فالمخاطبة الأولى عندي هي بالعيون وهي أعبر من المخاطبة باللسان. عندما التقيته لأول مرّة علمت من هو وكأنني رافقته منذ عقود. ففي لحظات تستطيع أن تعرف يقين الإنسان إذا ما دخل عقلك وقلبك في آن واحد، والعيون هي المعبّرة عن ذلك.

أتذكر ابتسامته الهادئة التي كانت واجهة لإرادة صلبة لا تهادن ولا تقبل أي انحراف. فرجل الثورة التاريخي والميداني دخل السجن بعد ثورة التحرير وذلك لالتزامه بمبادئ كاد ينساه المرء وهي من موروثنا الثقافي والحضاري العربي الإسلامي. ثم دخل السجن مرّة أخرى في ذروة ثورة التغيير التي قادها الشباب الجزائري ولذلك لنصرة الحق على الباطل. وخير دليل على وفاء الشباب الجزائري الحشد الشبابي الجماهيري في رحلة الوداع لمثواه الأخير في شوارع العاصمة الجزائرية. لقد استطاع “عمي لخضر” أن يقول إن الشعلة أوصلتها لشباب الجزائر. فرغم سنّه الذي كان فوق الثمانين كان الشاب بالامتياز في النخوة والصلابة والاستقامة وفي احتضان الثورة الشبابية التي وضعت الجزائر على طريق التغيير.

أعتبر نفسي محظوظا جدّا أن أتيحت الفرصة للتعرّف إلى أحد رموز ثورة المليون ونصف شهيد. فالتقيت بالتاريخ العربي كما التقيت بالجغرافيا التي درستها في الكتب. وليست قضية عابرة أن يكون الشخص في آن واحد التاريخ في ماضيه وحاضره ومستقبله، ولا في الجغرافيا التي تبدأ في قطر وهنا نقصد الجزائر ولكن ترمي إلى كامل التراب العربي. فهذا جيل ينقرض و”عمي لخضر” حرص أن يسلّم المشعل إلى جيل شبابي جديد. رحمك لله “عمي لخصر” وادخل في رحاب رحمته الواسعة وفردوسه.

مقالات ذات صلة