في زمن الهمبورغر
شيء عجيب يراد تمريره على ثقافة الشعوب وتقاليدها.. فكل شيء خاضع للتبديل والتعديل لصناعة واقع مختلف تماما وكأننا إزاء إنسانية جديدة..
ولعل الهمبورجر عنوانا مناسبا لأكثر من دلالة، فهو يعبر عن الانسحاب من تقاليد الطعام التي تنامت لدى الشعوب وكانت أحد أهم مظاهر المدنية والتحضر.. فلقد أصبح الطعام والطهي أي المطبخ عنوانا للحضارة الرومانية والحضارة الفارسية وعندما نتكلم عن المطبخ نذهب مباشرة إلى الحديث عنهما، وندرك بسهولة أنهما أرقى ما توصل إليه الإنسان وكأن المطبخ عبارة عن تكثيف لثقافة وحضارة سادت في مرحلة ما.. ومن هنا ظل هذا الأثر المتداول رغم أن الحضارات بادت، فعندما تسوقك الأقدار إلى بلاد الشام ومطابخها تدرك أي فن وذوق رفيع يسكن المطبخ الشامي وريث المطبخ الروماني شأنه شأن المطبخ التركي.. ففي دمشق وحلب ونابلس ويافا وعكا وحيفا وبيروت وطرابلس تشعر بأنعم الله كم هي لذيذة رائعة عندما تعالجها الأيادي التي تعوّدت على صناعة الطعام بمهارة نادرة.. ومن بلاد الشام إلى الأندلس، حيث انتقلت التجربة وتنامت هناك فأصبحت رقيا على رقي وانساحت مع هجرة الأندلسيين فيما بعد إلى عواصم المغرب العربي في طنجة وقسنطينة وتلمسان والرباط وفاس والمدية والبليدة.. وزادت في عواصم الجزائر بأن مازجتها بالمطبخ التركي الذي أعطاها في الحلويات ما أعطاها من وفرة وغنى..
بين شام العرب المتأثر بالمطبخ الروماني ومغربهم المتثر بالمطبخ الأندلسي والتركي أواصر التنوع والغنى مشفوعا بآداب الأكل التي جعلها الدين الإسلامي أحد شعائر التعبد من كرم في التقديم وحسن تصرف مع الطعام لدرجة أن أحد كبار علماء الإسلام أبوحامد الغزالي جعل كتابا خاصا في آداب الطعام ضمنه في كتابه المهم “إحياء علوم الدين”..
وبين شام العرب ومغربهم بلاد عربية كثيرة وصل إليها فن الطبخ باهتا ضعيفا فلم تنل من حظ الرقي إلا القليل وظلت صفة البداوة والبساطة صفة لصيقة بمطبخها.. ولعل أهم ما تميز به المطبخ العربي بما انصب فيه من مشارب عدة أنه مطبخ مركب، فالمتأمل للمطبخ العربي والفرنسي مثلا يجد أن المطبخ الفرنسي خاصة والأوربي عامة يعتمد التفكيك والفردانية فالطبق الفرنسي يشهد عناصر مفككة، أما المطبخ العربي فإنه يعتمد التركيب والتكامل ولذا تجد الطبق العربي مركب يعتمد المقادير المحددة بإتقان لإنجاز طبخة ممتعة شكلا ومضمونا، ولكل أسلوب علاقة بالنفسية والثقافة.. فالنفسية الفرنسية والأوربية عموما فردانية مفككة وأما النفسية العربية فجماعية متكاملة.
كان الصراع الحضاري بيننا والغرب يشهد على مواجهة نموذجين في الثقافة بكل عناوينها.. حتى جاءنا الزحف الأمريكي بنمط آخر يعبر عن فقدان الهوية وفقدان التاريخ هامبورجر وجبة سريعة معتمة مجهولة لا علاقة لها إلا بالنهم والطريقة المتوحشة في الأكل، والتي لا تعير الطعام أي احترام.. ثقافة تعبر عن نفسية المحارب الكاوبوي فاقد الحس والذوق ورغم كل التحسينات التي يحاول المطبخ العربي إجراءها على الهمبورجر، إلا أنه يفشل لأن الهمبورجر نمط ثقافي يفتقر إلى المرجعية الذوقية والتراكمية الحضارية.. أجل إننا نعيش مرحلة الانقلابات في أذواقنا فهل ينجح الاستعمار؟؟ لن ينجح فأمتنا أعمق بكثير.. فستظل المقلوبة والمنسف والمسخن والدولمة والمثوم والشخشوخة والمفتول وسواها من أكلاتنا منتصرة على الهمبورجر والفاست فوود.