-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
عودة الاخضرار وتدفق الينابيع

في ظل الطقس الربيعي.. “اكتساح” سياحي للمناطق الغابية والسهلية

مراسلون
  • 1288
  • 0
في ظل الطقس الربيعي.. “اكتساح” سياحي للمناطق الغابية والسهلية
ح.م

أبان يوما العطلة الأسبوعية الأخيرة، عن اهتمام الجزائريين بالسياحة الربيعية، فقد عرفت مختلف المنتجعات الطبيعية إقبالا كبيرا للعائلات، للتمتع بما أنبتته الأرض من نباتات وزهور، فاق جمالها التصور.
والمبحر على مواقع التواصل الاجتماعي سيجلب انتباهه بعض التعابير، على شاكلة: “هذه ليست سويسرا يا ناس” أو “الجزائر الجنة والفردوس المخفي” وغيرها من التعابير المفتخرة بربيع الجزائر.
ولا تقتصر جنسية صانعي المحتوى الربيعي والطبيعي على الجزائريين فقط، بل تعني العديد من الجنسيات الخليجية والمغاربية وحتى الأوروبية التي تتغزل بالطبيعة الجزائرية المبهرة بمائها وخضرتها من عين تيموشنت غربا إلى القالة شرقا.

جيجل ليست بحرا فقط
مع دخول فصل الربيع، يعكف المهتمون بالشأن السياحي بولاية جيجل، على الترويج أكثر للسياحة الجبلية، بالنظر للمساحات الشاسعة من الغابات والجبال التي تضمها الولاية، فضلا عن المناظر الطبيعية الخلابة التي تزخر بها هذه المناطق.
ولعل غابة الزان المتواجدة بمنطقة الأربعاء ببلدية وجانة، هي واحدة من بين أجمل هذه المناطق، التي وقع عليها الاختيار لاحتضان تظاهرة “ربيع جيجل” في طبعتها السادسة، والتي نظمتها جمعية السفير للسياحة، بالتنسيق مع مديرية السياحة والصناعة التقليدية، والمجلس الشعبي لبلدية وجانة، وكانت تحت شعار “جمال الطبيعة في ربيع الجبال”، فجيجل ليست بحرا فقط، بل طبيعة وتضاريس وتاريخ كما قال رئيس بلدية وجانة لـ”الشروق اليومي”.
غابة الزان، كانت محط الأنظار خلال يومي الجمعة والسبت الأخيرين، ومقصد الجموع الغفيرة من العائلات والأطفال والحرفيين، فضلا عن السلطات الولائية لجيجل، ومختلف الفاعلين، ممن توافدوا على هذه المنطقة التي تقع على ارتفاع 1200 متر عن سطح البحر، عبر طريق جبلي طويل مثالي للاستغلال في التجوال السياحي، تحفّه المناظر الطبيعية الخلابة الممزوجة بين خضرة الجبال بأشجار الزان الطويلة، وألوان الأزهار المختلفة، خاصة الصفراء منها، ليصلوا إلى موقع الحدث الذي خيّم عليه بعض من الضباب الربيعي الفتان، أين تم تنظيم عروض متنوعة خاصة بالصناعات التقليدية والحرفية، استعراضات كشفية ورياضية، إضافة إلى عروض ترفيهية ونشاطات خاصة بالأطفال على غرار مسابقات الرسم والقراءة في الهواء الطلق.
وأكد القائمون على هذه التظاهرة، على غرار أعضاء جمعية السفير للسياحة، في حديثهم للشروق، أن الهدف من إقامتها، هو تشجيع السياحة الجبلية، والتعريف بما تزخر به الولاية من مؤهلات طبيعية في هذا المجال، عبر مختلف مناطقها كمنطقة وجانة، حيث تسعى السلطات البلدية إلى الانتقال من عملية الترويج السياحي إلى تجسيد مشاريع سياحية بها، على غرار إعادة ترميم المدرسة القديمة المهجورة بمنطقة الأربعاء، واستغلالها كمنشأة من أجل استقبال زوار ولاية جيجل، لاسيما في موسم السياحة الجبلية.
ويتوقع أن يكون للسياحة الجبلية شأن كبير في ولاية جيجل خلال السنوات القليلة القادمة، بالنظر للانفتاح الملحوظ عليها خلال السنوات الأخيرة، حسب حديث “مير” وجانة، خاصة مع فتح العديد من المسالك الجبلية ووجود برامج وعمليات لفتح أخرى عبر مختلف المناطق بالولاية، من شأنها دعم هذا المسعى.

قسنطينة تقطّر ما أنبته الربيع من ورود
دأبت قسنطينة في العقود الأخيرة على الاحتفال الشعبي، بعادة تقطير الورد، ليس في البيوت فقط وإنما حتى في قلب الساحات العمومية، كما هو الحال في ساحة “لابريش”، وجعلت للتقطير الربيعي يوما قد يتمدّد إلى أسبوع كامل للاحتفال بهذه العادة، حيث عاد “القطّار” القديم النحاسي، ليجد له مكانا في البيوت بعد أن كاد يغيّبه الزمن.
وإذا كان الزهر أو المسك أو الياسمين يباع في الأسواق وخاصة في ساحات وسط المدينة وهو المستعمل للتقطير فزهره الوردي اللون، فإن بعض العائلات تغرس أشجاره في حقول بعيدة وتتوجه جماعات في رحلات عائلية في الربيع للاستجمام ولقطفه لأجل ممارسة عادة التقطير التي تضع المدينة في حقل ربيعي، يفوح منه أحلى الروائح، ضمن موروث شعبي يرتبط بالاحتفال بالربيع، منذ القدم بمدينة قسنطينة.
والجميل، كما تقول السيدة مينة مسقالجي لـ”الشروق اليومي”، فإن منتجات التقطير صارت تستعمل في صناعة الحلويات التقليدية، ومواد التجميل الطبيعية والمواد شبه الصيدلانية والعطور الطبيعية.
ويبدو أن مهرجان “تقطير الورد والزهر” الذي تم ترسيمه سنة 2015 تزامنا مع احتضان قسنطينة تظاهرة عاصمة الثقافة العربية، قد قدم ربيع قسنطينة في أحلى صوره.
والتقطير ليس عملية معقدة، حسب السيدة مينة، فهو احتفال بالربيع من خلال استغلال ما نبت في هذا الفصل اليانع وتحويل بيوت المدينة إلى ربيع، ويبدأ بتحضير الموقد ووضع قطّار النحاس التقليدي، ثم توضع الزهور الوردية اللون أسفل القطّار والذي هو عبارة عن طنجرة كبيرة، ويمنح القطّار بخارا مع مرور الدقائق يمنحنا ماء مقطرا ومعطرا طبيعيا يتم وضعه في قارورة مغلقة جيدا بقطعة قماش وهي “المقفلة”، تمنحه مدة صلاحية طويلة جدا، تمتد إلى خريف الموسم، وكلما فتحت القارورة لبعض الوقت، كلما حوّلت البيت إلى جنة من الروائح الزكية الرائعة.
وبالرغم من أن عملية التقطير التقليدية، تأخذ يوما كاملا من الجهد في تحضير الزهور ومراقبة الماء في الجزء العلوي للتقطير، وتغييره بين الحين والآخر، إلا أن بقاء البيت معطّرا لأشهر طويلة يستحق هذا الجهد، والتقطير الذي سيطرق باب “اليونيسكو” قريبا، موجود لدى عائلات من ولايات أخرى مثل العاصمة والمدية والبليدة وعنابة وخاصة تلمسان.
وفي قسنطينة يقطر الزهر في شهر أفريل إيذانا بقدوم الربيع والورد في شهر ماي احتفالا بما أعطاه الربيع من ورود، وبين هذا وذاك سياحة ربيعية في جبل الوحش والمريج وجبال شطابة وأولاد رحمون وغيرها.

هكذا يحتفل أهل باتنة بمقدم الربيع
بالرغم من المنع الذي انطلق في الفاتح من ماي للتخييم ولحفلات الشواء، في قلب المساحات الغابية في باتنة على غرار بقية الولايات، إلا أن الاحتفال بجمال الطبيعة في الربيع تواصل بطريقة مسالمة جدا، ضمن قصة عشق مباحة بين الفرد والطبيعة.
فقد شرعت، السبت، مصالح مديرية الغابات في حملة تحسيس من مخاطر حرائق الغابات والمحاصيل الزراعية، للعائلات المتنزهة في أماكن الراحة الطبيعية في المناطق الغابية والجبلية التقليدية، الواقعة بين كوندورسي ببلدية وادي الشعبة والوادي الأزرق باتجاه كاسرو ببلدية فسديس دائرة باتنة.
ولوحظ أن عائلات وأفرادا لا يزالون ينتهكون الحظر المفروض على إشعال مواقد الشواء والنيران مهما كان حجمها أو مبررها بدءا من تاريخ الفاتح من ماي الجاري حتى 31 أكتوبر 2025، ويستصغرون العقوبات الحبسية والمالية المسلطة على المتسبّبين في النيران بقصد أو من دونه، حيث تم منع شبان من مواصلة جلسة الشواء وإجبارهم على إطفائها.
وكانت مديرية الغابات نظمت يوما تحسيسيا لفائدة تلاميذ المدارس بمناسبة اليوم العالمي للطيور المهاجرة في الربيع، وذكّرت بطرق التعامل مع الغابة، ومن بينها جمع النفايات والزجاجات ومختلف العلب في أكياس وحملها للرمي في المكبات، فيما شهدت الطرق المؤدية للغابات التابعة لحظيرة بلزمة توزيع مطويات على المواطنين، تنص على التفادي النهائي لإيقاد النيران والتجوّل بالسيارات بمحاذاة المناطق الغابية أو في أعماقها تفاديا لتراكم البنزين وتجنّبا لأي قدحة قد تبيد الهكتارات في ساعات، ومنع رمي أعقاب السجائر على قوارع الطرق المفتوحة نحو الكتل الغابية أو بالقرب من المساحات المزروعة، فيما وجهت نصائح للمزارعين بالتبليغ الفوري عن وقوع الحرائق وحيازة وسائل الإطفاء الضرورية.
وسيّرت مصالح الدرك الوطني دوريات مراقبة وتفتيش قامت خلالها بمنع عدة محاولات إشعال مواقد أو تنظيم جلسات شواء أو استعمال الشيشة، كما تفقدت مناطق أخرى تطبيقا لمنع التخييم نهائيا خلال فترة الحظر.
يذكر أن التنزه وتنظيم الخرجات للجلوس وتناول أطعمة باردة مسموحة للأفراد والجماعات، كما يسمح بمزاولة رياضة المشي الجماعي والفردي، شريطة احترام تعليمات المراسيم الزجرية المطبقة منذ العام الفارط، لوقف تدهور النسيج الغابي جراء الحرائق التي أبادت مئات الهكتارات من الأشجار النادرة، على غرار الأرز الأطلسي خلال السنوات الماضية، بسبب عوامل بشرية محضة تضاف لعمليات الاحتطاب غير الشرعي.
ولأن إجراء منع التخييم وحفلات الشواء الهدف منه حماية الغابة، فقد تقبّل الجميع القرار وثمّنوه، لأجل ذلك لاحظنا ظهور السياحة الربيعية في احتفاليات المشي على الأقدام تسلقا للجبال وشقا للأدغال، مع استعمال الأحصنة صديقة الغابة في تكريس جديد للسياحة الربيعية المنتعشة بقوة في السنوات الأخيرة في منطقة الأوراس.

امتلاء سد “بني هارون”.. دعوة للسياحة الربيعية
الصور الملتقطة للوحة سد “بني هارون” في النصف الأول من شهر ماي 2025 وهو مملوء عن آخره، وتحيط به سهول وجبال يانعة الاخضرار، جلب الآلاف من عشّاق الطبيعة من داخل ومن خارج الوطن، وكما قالت سيدة مغتربة تقطن في قطر: “مجرد التفرج على الماء الغزير والخضرة التي تحيط من حوله، تنعش المعنويات وتفتح شهية الحياة لكل من يزور المكان”.
وفي السياحة الربيعية في ميلة ألوان وأشكال، فالناس اكتشفت بأن جبال ميلة، ربما تكون الأروع في الربيع على مستوى الجزائر وشمال القارة الإفريقية، لأنها تتلوّن بكل ألوان الزهور من أحمر شقائق النعمان إلى البنفسجي والأزرق وخاصة الأصفر، كما تعطي الأرض الحشائش اللذيذة والصحية ذات المذاق اللذيذ والمسماة محليا “الحرشة والتلفاف والقرنينة والخرشف” وغيرها من الحشائش التي يسترزق ببيعها على حافة الطرقات الكثير من الأطفال.
أمطار أواخر شهر أفريل والأسبوع الأول من شهر ماي الحالي، أنعشت سد بني هارون الذي قارب من الامتلاء وهو في أحسن وضعية له في السنوات الأخيرة في هذا التوقيت بالذات، كما انتشرت مياهه على مسافة شاسعة، جعلته قبلة للزوار من كل مكان.
وكما يقول أهل المنطقة خاصة القاطنين في منطقة قرارم قوقة، فلا يمكن أن تشاهد سد بني هارون في كامل رونقه وجماله مثل منظره في الربيع، حيث زرقة مياهه القوية جدا وشبه الشلالات والمجاري التي تحدث أصواتا منعشة، وخضرة ما يحيط به من سهول وجبال.
ميلة في الربيع هي قطعة من الجنة من أحمد راشدي إلى تسالة إلى الشيقارة إلى زارزة ووادي العثمانية، هذا الاكتشاف الذي قدّمته وسائل التواصل الاجتماعي، بصم على تقليد جديد في ميلة، وهو الاحتفال بالربيع في سفوح الجبال وقلب الغابات، حيث تدفقت الينابيع ورسمت مع الخضرة أجمل اللوحات.
إلى وقت قريب، كان أهل ميلة يشتكون من انعدام أماكن الترفيه وشم النسيم، وكان وال سابق قد وعد بإنجاز شواطئ اصطناعية على ضفاف سد بني هارون، على شاكلة ما هو موجود في مدينة مارسيليا، ولكن الانتعاشة التي عرفتها السياحة الربيعية والجبلية طوال شهر ماي من كل سنة في ولايات شرق البلاد، أعادت لميلة بريقها، ووضعتها ضمن المناطق التي ينصح بزيارتها، لأنها تمنح للزائر وللناظر، أحلى الألوان التي يحلم بمشاهدتها ومنها على سبيل المثال زرقة الماء في كل مكان من سد بني هارون إلى سد وادي العثمانية، والخضرة الطاغية على جبالها.

برج بوعريريج… شم النسيم وتذوّق “المبرجة”
في برج بوعريريج الاحتفال بالربيع ليس وليد ظاهرة السياحة الربيعية المنتعشة مؤخرا في الجزائر، وإنما هو من صميم تقاليد المنطقة. ولكن مع انتشار الصور والفيديوهات في مختلف الفضاءات والمسافرة إلى كل بقاع الدنيا بصم على هذا التقليد.
وصارت الزيارة للمناطق الخضراء، زيارات، وبدلا من أن تختار العائلات منطقة واحدة ليوم واحد للاحتفال بطقوس الربيع، صار التوجه إلى الأماكن الخضراء يدوم طوال الشهر، وعلى العموم ما بين منتصف أفريل إلى منتصف ماي، مع تمديد الزمن كلما حافظت الطبيعة على أزهارها وخضرتها كما هو الحال في ربيع 2025.
التحضير للخرجة الربيعية في سهول وغابات برج بوعريريج، يكون قبل يومين من موعد الفسحة، حيث تعني “الخرجة” كل أفراد العائلة من دون استثناء، وتنقل العائلة كبارها من الذين تقدموا في السن من جدّ وجدّة، مع رمي كل المشاكل جانبا حتى يكون شمّ النسيم صحيا فعلا على الحالة البدنية والمعنوية للفرد، أما عن الأطعمة فهي تتركز على طبق “المبرجة” المصنوع بالتمر المطحون المسمى الغرس، والزبدة والدقيق، إضافة إلى اللبن والحليب الرائب، والمكسرات مع سلة فواكه الموسم من مشمش وتوت وفراولة وتفاح وبطيخ، وحتى البرتقال إن وُجد أو التمر ومشروبات طبيعية من عصائر الفاكهة الطازجة، وتختار كل عائلة مكانا لها تفترش فيه الحشيش أو العشب الطبيعي، وتركّز على استنشاق الهواء العليل في أجواء مرح وطمأنينة لا يمنحها سوى ربيع الجزائر وجغرافية الجزائر الرائعة.
والجميل في برج بوعريريج أن بعض العائلات من المغتربين الذين ينتمون للمنطقة، يختارون أيام عطلتهم السنوية في زمن الربيع لأجل الاستمتاع بروعة السياحة الربيعية والجبلية في منطقة برج بوعريريج الخضراء، وعرف لدى الجالية الجزائرية في فرنسا خاصة في مدينة ليون، أن العمال الذين ينتمون لبرج بوعريريج يحصلون على عطلتهم السنوية في الربيع من أجل ربيع الجزائر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!