الرأي
حول ذكريات الدكتور محمد جاب الله:

في غياب الذاكرة يغدو الحاضر خرابًا!

بقلم: محمد قماري
  • 429
  • 0

منذ عقود سعى الباحثون إلى التحقق من وجود ذاكرة عند الحيوانات من عدمه، وتوصلوا إلى ما يفيد بوجود ذاكرة عند الحيوانات، غير أنها ذاكرة إجرائية، إذ يتذكر الحيوان هيئة جلوس تدرب عليها، وهي أيضا ذاكرة ارتباطية كما في تجربة كلب بافلوف عندما ارتبط عنده حضور الطعام بصوت الجرس، كما قد تتشكل لديه ذاكرة مكانية…

الذاكرة عند الإنسان أشد تعقيدا، وأعمق في دلالتها الرمزية، فالإنسان لدية ذاكرة الحوادث أو الذاكرة الشخصية التي تسجل (تاريخ الفرد)، والذاكرة الدلالية وتسجل دلالات الأماكن والوجوه والمعارف، وذاكرة استشراف المستقبل، وهي التي تدفع للتخطيط للقيام بعمل ما في المستقبل…

في سنة 1995 تعرض الكاتب والأديب البرتغالي (José Cardoso Pires) إلى سكتة دماغية، فقد معها القدرة على التواصل، وحين استعاد شيئا من عافيته وثّق تلك المحنة في كتاب نشر بعد سنتين تحت عنوان (من عمق الرقصة البطيئة)، وأشد ما لفت انتباهي في الكتاب قوله: “في غياب الذاكرة، يغدو الحاضر خرابا بل هو ماض معدوم؛ حيث نفقد معالم حياتنا الماضية ومعها حياتنا العميقة بطبيعة الحال، ذلك أنه دون مرجعية الماضي تموت العواطف والارتباطات الوجدانية”.

مرت بي تلك الخواطر وأنا استلم نسختي المطبوعة من كتاب (ذكريات شاهد الثمانين حولا)، تسلمت مادة من ورق، فإذا بك وأنت تشرع في تصفح تلك الأوراق، وتجري بعينيك خلف أسطر الصفحات، فتشعر بالدف والحرارة تتسلل إلى يديك وإلى ذهنك…هنا مسرح يضج بالأشخاص والمشاهد…ومن أجداث المقابر تبعث شخوص تتحدث وتحكي قصتها، وأرض تحدث أخبارها، وفي تلك المشاهد كلها فسحات للأمل، وواقع يضغط في تدافع يشد الأنفاس أحيانا، ويضحكنا ويبكينا…

[1]

ما أعجب أمر الذاكرة ! وهي تختزن كل هذه الحوادث وتسترجعها بعد مضي ثمانية عقود، وتنفخ الروح في واقع طواه الزمن، لكنه حي في تلافيف دماغ شيخ كان طفلاً، فإذا بالموتى يعودون يعود الشيخ علي جاب الله جد صاحب الذكريات وهو يضرب في الأرض طلبا للقوت، ويصطحب معه ابنه اليافع الهادي، ويمرض الأب وتخطفه يد المنايا، وها هو الطفل (الهادي) في عين فكرون وحيدا تائها، ليس فيمن حوله من ذويه من يخفف عنه أحزان فقد والده، ولا يعرف كيف يتدبر أمر دفن جثته، ولا أمر عودته بعد أن دفن جثمان الوالد في أرض بعيدة، وأنى لطفل في سن الثلاثة عشر حولاً أن يتحمل كل ذلك الحمل؟

مشهد درامي قاسي، والزمن بداية القرن العشرين، حيث لا وجود فيه للتواصل، والمسافات تقطع في أيام وشهور، وتمتد يد القدر الحانية، فإذا باليتيم يشق طريقه، ويكن له أثر وذكر…وتتصاعد مع الذكريات الدراما عل مسرح الحياة، وإذا بجدة الدكتور جاب الله تقدم على كسر ثنايا أسنانها لأن بعض الرجال ألمح في التقدم لخطبتها بعد وفاة زوجها…أي نعم لا يكفي الرفض اللفظي بل امتد إلى تشويه الجسد حتى توصد بابها أما الطامحين…

ويصل ضجيج السرد مبلغة مع قصة حياة والدته (اليتيمة)، حيث تقضي العادات أن تجبر المطلقة على التخلص من أولادها خاصة إن كانت أنثى، وترسل بهم إلى والدهم، لكن في قصة الجدة مأساة أشد، إذ بمناسبة زواج، تنقلت أسرة الزوج إلى قرية الزوجة، ولفت الوليدة بين المتاع ولم يتفطن لوجودها إلا بالبكاء في الطريق…رحماك يا الله وتكبر ولم تر والدتها إلا بعد أن تزوجت وخلفت، تلكم هي أم الدكتور جاب الله!

تقف الذكريات عند العديد من الشخصيات، في ذلك الفضاء المنقطع في أرض الله، في قرية الرقيبة بوادي سوف، وتلك الرحلة بين الوادين (وادي سوف وواد ريغ)، وفي كل زاوية حركة ومكابدة ومكايدة، ويد الاستعمار تدير خيوط لعبة قذرة، قوامها الفقر والحرمان، وبث الجهل وروح الفرقة والاحتراب، وتظهر يد القدر من جديد وهي تدبر الأمر، فإذا بفكرة (الوطنية) تسري بين الناس، تردفها فكرة الإصلاح، وبدأ الناس يسمعون باسم الزعيم (مصالي) والشيخ ابن باديس…

وفي ذلك المكان القصي من البلاد تدب في الأوصال حياة جديدة، تدب فكرة الحركة الوطنية وحركة الإصلاح، تواجه أوثانا طال مكثها بين الناس، وثن الاستعمار ووثن حصر الدين في طقوس وحفلات، تشيع فيها همهمات فارغة، وحماسة لأمور لا تسر صديقا ولا تضر عدوا، فإذا بروح الدين الوثابة الخلاقة تغدو مواسم للفرجة والزردة…

[2]

تضمنت الذكريات شيئا من (ذاكرة الأماكن)، ونمضي مع كاتبها في رصد ما رأى وسمع اعتبارا من النصف الثاني من القرن العشرين، فتلك بعض ملامح حواضر الجنوب الشرقي (وادي سوف ووادي ريغ)، وهذه تقرت التي كانت أكثر حظا في بعض نواحي التمدن، وهنالك بسكرة وباتنة وعنابة، وبطبيعة الحال مدينة الجزائر عاصمة البلاد…

ويأخذ تاريخ وادي سوف في الذكريات حيزا معتبرا، إذ يحدثنا صاحب الذكريات عن نكبة المدينة قبل حوالي أربعين سنة، حيث صعود المياه الجوفية وغياب البنية التحتية، وما لحق البيئة وصحة الناس من كوارث جراء ذلك، وكيف تعافت المدينة وأصبحت قطب جذب فلاحي بعد تجارب ناجحة في ذلك النشاط…

ومع الأعلام والأماكن تسري روح التدافع، فالدنيا فيها الخير والشر، والأمل الذي تحده الاكراهات، وتحديات تنشأ من بين جنبات الضغوط، هنا نسير مع ذلك الفتى حيث يقفز من سفينة تحيط بها المخاطر واليأس، ويشق طريقه في التعليم ويظفر بشهادة الدكتوراه في الطب، ونقف معه في ذكريات عن ظروف التكوين في الجامعة غداة الاستقلال…

ثم ها هي سفينته تبحر جنوبا، ويعود الطبيب إلى مرابع الطفولة والشباب الباكر، يرجع إلى تقرت ضمن التزامات الخدمة العسكرية، وهنالك نضجت فكرة التخصص في طب العيون، ويلتحق بالدفعة الثانية من الطلبة المتكونين في تخصص طب وجراحة العيون، ويرجع بمصباح الفحص ليعالج عيونا فتك بها الرمد وأعياها فقدان نور البصر.

[3]

بعض من يكتب ذكرياته أو مذكراته، يكون مدفوعا بروح (الاعتراف) أو طلب التطهر، ويقصد إلى القذف بأمور تثقل ضميره على الأوراق، إما مباشرة طلبا للتخفيف من ثقل الأسرار أو يقص روايته الخاصة لعله (يخدع الأحياء)، وبعض من يكتب إنما يكتب ليكتب…

تتجاوز ذكريات (الدكتور جاب الله) سرد وقائع حياة رجل، وتتصل بالحياة العامة من خلال تفاصيل حياة الناس وحياة كاتبها، ويظهر ذلك التطلع لدى فصيل من الشباب بعد الاستقلال، وهم يسعون إلى التحصين الثقافي الذي بفضله صمدت البلاد في وجه خطط الاحتواء والسلخ الاستعماري…

يظهر الدكتور جاب الله مع بعض رفاقه، وهم يبحثون عن (مرشد) يأخذ بأيديهم، ومن هنا نرى أثر (جمعية القيم) ودروس الشيخ سحنون، وهي تسد بعض الخلل، ومن نادي الترقي يعرف الشاب طالب الطب طريقه إلى ندوة المفكر مالك بن نبي، وتبدأ مصاحبة طويلة، ومع بن نبي يرى أولئك الشباب ويسمعون رجلاً يتحد عن (النهضة)، وأن التخلف ليس قدرا محتوما، لكن للنهضة (شروطها) التي لا تحترم من يتخلف عنها…

ويسجل التاريخ لصاحب الذكريات شرف افتتاح (مسجد الطلبة) مع رفاقه، وكم يظهر لهم من آيات الوفاء والاحترام والذكر الحسن، ومن خلال الذكريات تبدو ملامح رجل ديدنه (الفعل) يتجنب الأضواء، يبحث عما يجمع ولا يفرق، يؤثر الأفعال عن الأقوال، ولعل في ذلك عامل من عوامل تلك الذاكرة التي لم تتدنس بحب الظهور والمطامع الشخصية.

وختاما، فإن (ذكريات شاهد الثمانين عاما) جديرة بالقراءة، قولا واحدا لمن أراد ألا يبدو الحاضر أمامه خاويا، فالذكريات تقول في كل سطر منها: مهما تكاثفت الغيوم وبدا الأفق معتما، فإن القدر ينسج خيوط ضوء تخترق العتمة، وتصنع فجرا جديدا.

مقالات ذات صلة