الرأي

في كل الحالات… الحكم الذاتي المغربي أصبح في مهب الريح!

حمدي يحظيه
  • 2767
  • 0

منذ 2007م، السنة التي تم تقديم فيها الحكم الذاتي إلى الأمم المتحدة، ومملكة المخزن تجري ليل نهار تحشد الدعم للاعتراف به، وتنتظر اللحظة التي تنقض فيها على الشرعية الدولية وتجد الرئيس الأمريكي المناسب الذي سيعترف لها به، ويفرضه في الأمم المتحدة عن طريق القفز الصارخ على القانون الدولي. لم تترك مملكة المخزن عاصمة إلا وزارتها، ولم تترك بابا إلا ودقته ولا رشوة إلا وقدمتها، ولا خديعة أو كذبة إلا وقامت بها لكسب أي نوع من الاعتراف الدولي بمبادرتها العرجاء.

حين ظنت مملكة المخزن أن الفرصة مواتية والضربة قاتلة والظروف مهيأة والرئيس الأمريكي المناسب (ترامب) يتربع على عرش البيت الأبيض، وأن المشروع سيمر أو سيتم تمريره بالتي هي أحسن أو بالتي هي أسوأ ما دام ترامب هو حامل القلم أو المُوقّع به وهو محرر القرار، لن تكن تدري أن لحظة النجاح تلك التي ظنت إنها مواتية هي لحظة الفشل ولحظة السقوط المدوي ولحظة الخطأ الفادح. حسب كل المعطيات لا يبدو أن الولايات المتحدة ولا ترامب ولا المخزن درسوا القضية من كل جوانبها، ولا يبدو أنهما تفطنا أو توقّعا أن حظوظ الفشل أكثر من حظوظ النجاح.

في لحظة واحدة تبخرت كل جهود ومناورات ورشوة وخديعة أكثر من عشرين سنة وذهبت أدراج الرياح.

قراءة خلفيات محاولة تمرير قرار أمريكي في مجلس الأمن يقدم الحكم الذاتي “كحل” لقضية الصحراء الغربية ومحاولة تثبيته تجعلنا نتوقف عند ثلاث فرضيات: الأولى أن المغرب هو الذي حث الولايات المتحدة على تقديم القرار الآن لمحاولة التنفيس عن الواقع الداخلي الصعب الذي يعيشه بالتهليل لانتصار في قضية يروج لها إنها قضية مصيرية معتقدا أن عنجهية ترامب يمكن أن تحسم القضية، ومعتقدا، أيضا، أنه-ترامب- هو الرئيس المناسب القادر على القيام بهذا العمل المتهور. الفرضية الثانية هي أن الولايات المتحدة-خاصة رئيسها-المصابة الآن بهوس حل النزاعات تغامر في قضية الصحراء الغربية لتحسمها لصالح حليفها المغرب لتضيف رقما جديدا إلى لائحة “النزاعات” التي قامت بحلها دون أن تدرس الموضوع من جميع النواحي.

الفرضية الثالثة هي محاولة المخزن تصفية القضية الصحراوية بالتزامن مع محاولة الكيان الصهيوني تصفية القضية الفلسطينية بعد حرب غزة .

وسواء كانت واحدة من هذه الفرضيات-أو كلها مجتمعة- صحيحة فقد وقع الخطأ الاستراتيجي القاتل: لقد خاب، نهائيا، حلم اعتبار الحكم الذاتي حلا من حلول قضية الصحراء الغربية وهذا للأسباب التالية: أولا، لن يجد المغرب حليفا امريكيًا، إطلاقا، في المستقبل مثل ترامب يقوم بهذه المغامرة المفضوحة الخاسرة التي لا تعطي أي اعتبار للقانون الدولي، ثانيا، وضَعَ المغرب القانون الدولي والأمم المتحدة في مآزق خطير لأن مجلس الأمن متى صوّت على قرار الحكم الذاتي كحل وشرّعه فقد وقّع بيمينه على نهاية القانون الدولي ونهاية الأمم المتحدة؛ ثالثا، في حالة فشل التصويت على مشروع الحكم الذاتي لن يستطيع المخزن تقديمه نهائيا في المستقبل، وبهذا يكون طوى ملف هذه الكذبة في الأمم المتحدة هي التي بنى عليها كل آماله، رابعا، العنصر الحاسم في موضوع إفشال الحكم الذاتي في الواقع هو الرسالة الواضحة والصريحة التي بعثها الشعب الصحراوي إلى العالم والتي تقول أن لا قبول لأي حكم ذاتي سواء كان موسعا أو ضيقا، وأن لا بديل عن تقرير المصير.

فحتى لو افترضنا جدلا أنه تم التصويت على الحكم الذاتي فلن يغير ذلك من الأمر شئيا، لقد تم التصويت بالإجماع على قرار 690 سنة 1991م ولم يطبق، وتم التصويت على مخطط بيكر الثاني سنة 2003م ولم يطبق، والشعب الصحراوي أعلن، مسبقا، رفضه لأي قرار يتبنى أو يشير إلى الحكم الذاتي حتى لو صادق عليه مجلس الأمن بالإجماع. خامسا، نسى المخزن وراعيته الولايات المتحدة لجنة تصفية الاستعمار والجمعية العامة اللتين حددتا طريقة تصفية الاستعمار وهي الاستفتاء أو الاتفاق بين طرفين على حل، وفي هذه حالة لا يتوفر أي شرط من الشرطين بعد إعلان الشعب الصحراوي رفضه المسبق للحكم الذاتي.

من محاسن الإقدام على هذه الخطوة غير المحسوبة- محاولة تمرير الحكم الذاتي-أنها اعادت القضية الصحراوية إلى صدارة الأحداث وقوّت وحدة ولحمة الشعب الصحراوي وتوافقه حول التشبث بعدم التنازل عن حقه وبالتفافه حول ممثله الشرعي جبهة البوليساريو.

إذن، حتى إذا افترضنا أن مجلس الأمن وافق بـ”الإجماع” على الحكم الذاتي الآن أو في مناسبة أخرى ورفضه الشعب الصحراوي فلن يتم تطبيقه لأن شرط توافق الطرفين وتفاوضهما عليه مفروض وإلا سيتم التراجع عنه.

كل هذا سيجعل الورطة التي سيجد المغرب والأمم المتحدة نفسهما فيها أكبر مما يتصوران. بالنسبة للمغرب حَكم على نفسه بفشل مشروعه دوليا، وبالنسبة للأمم المتحدة سيصبح من المفروض عليها أن تتقدم في البحث عن حل وتستبعد الحكم الذاتي كونها ظلت تحاول أن تقنع به الشعب الصحراوي ولم تفلح.

فمثلما استبعدت الأمم المتحدة مخطط بيكر الثاني الذي حدث عليه توافق في مجلس الأمن وتم تمريره فإنها الآن مطالبة باستبعاد الحكم الذاتي بعد تأكدها أنه لن ينجح بسبب عدم توافق مجلس الأمن عليه وبسبب رفض الشعب الصحراوي له.

هذا الفشل يفرض أن تعود الأمم المتحدة إلى التوافق ولا يوجد من مخرج ما عدا تطبيق القانون الدولي خاصة خطة سنة 1991م التي تتمحور حول الاستفتاء.

إن فشل الحكم الذاتي في مجلس الأمن يمكن أن يدفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى خطوات انتقامية فاشلة ضد الشعب الصحراوي مثل فتح قنصلية في مدينة الداخلة المحتلة أو الترويج لتصنيف جبهة البوليساريو كحركة إرهابية، لكن في كلتا الحالتين هذه مجرد أوهام ولا تغير من طبيعة القضية ولا من ما يجري على الأرض خاصة أن بريطانيا، حليفة الولايات المتحدة، صرحت في الوقت المناسب أن جبهة البوليساريو لا علاقة لها بالإرهاب.

في الختام، هناك نقطة جوهرية لا بد من الإشارة والانتباه إليها وهي أن هناك خلاف داخلي بين الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا حول الحكم الذاتي نفسه. فتوافق الدولتين ظاهريا حول دعم الحكم الذاتي في مجلس الأمن يخفي وراءه خلافا كبيرا حول من يفوز بحصة الأسد من غنيمة النهب المستقبلي في الصحراء الغربية، ومن سيكون له النفوذ: فرنسا تريد الغنيمة باعتبار أن المغرب محمية تاريخية لها، وامريكا تريد هي الأخرى موقعا ونفوذا في المنطقة بالارتكاز على المغرب بحكم إنها هي التي دعمته وقدمت الحكم الذاتي وفرضته في مجلس الأمن.

مقالات ذات صلة