في مصر.. فقط السلام
نحتاج إلى لغة مختلفة للحديث عن قضايا التنازع الدائر في بلداننا.. لغة تحرص على طاقاتنا وعلى دماء أبنائنا على اعتبار أننا جميعا أبناء أمة مرفوض رفضا قاطعا التوجه إلى حل مشكلاتها الداخلية بالعنف وسفك الدماء والتحريض بين فئاتها ومكوّناتها.. وهذا يعني منذ البداية أن الجميع معنيون على قدم المساواة بالانتباه إلى خطورة ما يُراد بالأمة، حيث سيكون الجميع على مذبح الغفلة، وسيكتشف الجميع أن الخسارة تلحق بالأمة جميعا وبمستقبلها عندما نفقد روح الأخوّة والتناصح.
نحن أبناء أمة لها منهجها الخاص بما فيه من قيم ومفاهيم ومقاصد ومنطلق نجد أنفسنا مضطرين في كل وقت إلى التذكير به لأنه العاصم لنا وحبل الله المتين لكي لا تحل بنا الكوارث وتذهب ريحنا ونصبح مزقا بلا قوة تصون كرامتنا.. ومن أهمّ قيمنا أننا دعاة وحدة وجمع للصف وأن التنازل المحتمل بيننا هو درب لتقوية الصف.. ونحن ندرك تماما أن الذي يجري في مصر فتنة كبيرة، وكما أننا لا نرحب أبدا بأي شحن دموي بين الدولة وتيار الإخوان المسلمين فإننا نجد أنفسنا في طليعة من ينادي بالصلح بين أكبر حركة إسلامية سياسية في الوطن العربي وبين أكبر مؤسسة عسكرية وأمنية عربية في الوطن العربي، ذلك لأننا ندرك تماما حجم الخسارة التي تلحق بمصر عندما يحدث التصادم بين القوة الشعبية الأكثر تنظيما وبين الدولة العربية الأكثر قوة.. إننا ندرك أن الخاسر هو كل مصري وكل عربي وكل مسلم وكل حر في العالم، وأن الرابح الوحيد الحقيقي هو العدو الصهيوني والمشروع الاستعماري الغربي..
بعد عامين ونصف من التصادم، نؤمن أكثر من ذي قبل أن طريق التصالح بين مكوّنات المجتمع المصري السياسية هو السبيل الوحيد الذي ينتظر مصر لتواجه تحدياتٍ حقيقية أمام البلد، على الصعيد الداخلي من بطالة وعجز مالي… وعلى الصعيد الإقليمي الأمني والدولي حيث يصار إلى تغييب مصر عن المشهد السياسي الإقليمي.. وليس أمام المصريين للحفاظ على قوتهم إلا التصالح للخروج من الدوامة، بأن يسير الجميع إلى تفاهمات استراتيجية تمنح حركة المجموع آليات جديدة.
إن الخلل الحاصل في المنطقة العربية منذ عدة سنوات إنما هو ناتج بشكل مباشر عن الاهتزاز الحاصل في مصر، ولذا فإن الحديث عن مصر لا يأتي من باب المعرفة والمتابعة لشأن سياسي، إنما يأتي من باب الحرص والمسؤولية تجاه بلد هو بموقعه الاستراتيجي يمثل القاطرة للدول العربية.. ومن هنا بالضبط يصبح كل العرب والمسلمين شركاء في استقرار مصر والحرص عليها لأن ذلك يعود بالنفع على كل العرب والمسلمين.
إن فوائد التصالح والسلام داخل مصر هي شرط الاستقرار والاستثمار وبرامج التنمية، ومن هنا تظهر لغة الاستئصال كنشاز في الوجدان والوعي وكخطر استراتيجي على أمن البلد.. كما أن الاستقرار السياسي والمجتمعي في مصر يجيب عن أسئلة عديدة تعصف بالمنطقة، فمصر بأزهرها وعلمائها وتوسطها تستطيع أن تخرج العرب من الدوامات في سورية والعراق، كما أنها تستطيع أن تقوم بما هو ضروري في التقدم من أجل نصرة فلسطين وقدسها.
في مصر فقط السلام هو المبتغى، ولا سبيل إلا الحوار والتفاهم، وعلى كل الشرفاء في أمتنا أن ينهضوا للصلح بين إخوانهم في مصر لأن في ذلك خيراً عميماً للأمة جميعا، فهل هناك من يسمع أوجاعنا وآلامنا فينهض إلى المسؤولية التاريخية؟ تولانا الله برحمته.