-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

في معركة الوجود.. لا مكان للمنهزمين والمترددين والانتهازيـين

صالح عوض
  • 802
  • 0
في معركة الوجود.. لا مكان للمنهزمين والمترددين والانتهازيـين
الارشيف

أطل شهر نوفمبر العزيز هذا العام بعد شهر طويل من بطولات شباب فلسطين الرائعين.. أطل شهر نوفمبر هذا العام بقدر عجيب محملا بمسؤولية جديدة، إنها الإجابة المبنية على أسئلة المترددين والمتفذلكين بأسئلة سمجة مربكة ومرتبكة.. جاء نوفمبر الدليل المعجز والآية الكبرى في فوز الإرادة الواعية على الجريمة المدججة بالسلاح.. فشكرا نوفمبر على ما قدمته لفلسطين وثوارها المنبعثين في كل فلسطين بقدر الله يصنعون فجر فلسطين ويزيحون عن الأعين قذاها، وعن الأرواح سخامها، وعن القلوب أدرانها.. شكرا يا نوفمبر يا شقيق أكتوبر ومرجعيته..

في معركة الوجود تبرز منابر الكلام ويتذرع كل منها بمنطق ولغة وأخلاق وقيم.. ويكثر في هذه المعارك أصحاب منطق التعقل والواقعية والتشكيك والتعيْلم والتفذلك بكلمات مصففة ليس لها من قيمة حبرها إلا الخسارة.. في هذه المعارك والملاحم لاسيما في بداياتها، وقبل  أن يتساقط من فمها العسل والمكاسب، وقبل أن ترتفع رايات انتصاراتها على القمم.. في لحظات الانطلاق والانبعاث ينشد كثيرون إلى الأرض والقيد ويذهبون إلى إسقاط هزيمتهم ورداءة معدنهم وجبنهم على لحظات الإشراق التاريخي فيكثر حديث المنطق وكلمات الواقعية والتفسير المادي والعلمي والتساؤلات المحبطة.. وتلبس هذه المنابر كل الالوان: الديني والوطني والقومي واليساريوتنفخ سمومها التي هي أسوأ بلا شك من سلاح العدو وأكثر فتكا منه لأنها تصل إلى الناس مباشرة ويراهن عليها العدو رهانا كبيرا.. وتسمع أسئلتها التي تبدو وكأنها منطقية وصحيحة فيردّدون: أين قيادة الثورة؟ وما هو برنامجها؟ وما هي إمكاناتها؟ وهل فيها من الكوادر ما يكفي للقيادة؟ ووو.. وتأتي الإجابات المشفقةمن المنابر نفسها أن هذه الانتفاضة هي شأن سابقاتها لن تعدو أن تكون هبّة وتمضي، لأنه ليس لها ضمانات الاستمرار ولن تجني إلا خسارة جديدة.. وتسري هذه التحليلات السخيفة إلى إبراز قيم المذلة والخور والتردي تزجي النصح وتتهم العنفوان الثوري بالتهوّر ويصيبها الحماس والانفعال في إبداء النصح المسموم للثورة والثوار.

في معركة الوجود تقول لنا ثورة نوفمبر المجيدة: أنتم يا ثوار أكتوبر العظام تسيرون على الدرب نفسه.. أنتم تمتلكون المعاني كلها والقيمة كلها وتجددون نوفمبر في أكتوبر وتضعون قطار قضيتهم على سكة صحيحة بعد تيهه في غياهب الفوضى والقلق مع الآمال الخادعات.. تقول ثورة نوفمبر لثوار أكتوبر: أنتم القادة وأنتم البرنامج وأنتم القضية.. فالثورة ستقدم رجالا وتتجاوز آخرين والثورة ستبرز قادة وتطوي آخرين.. فقبل ثورة الجزائر المجيدة بأيام قليلة لم يكن أحدٌ من صناع الثورة في الجزائر معروفا للشعب والعالم.. وكان الزعماء السياسيون الممتازون مصالي الحاج وعباس فرحات والبشير الابراهيمي وابن جلول والكثيرون الكثيرون هم ملء السمع والبصر.. لكن الثورة انطلقت من هناك؛ من الشباب غير المعروفين.. شباب لم يتجاوز عمر غالبيتهم 24 سنة.. قالوا كلاما يختلف عن كلام القادة السياسيين، لم يبحثوا عن أنصاف الحلول مع الاستعمار، وانطلقوا بكلام يشبهالجنونفي عرف السياسيين الكبار.. وأدرك الثوار الشباب أن هناك شيئا واحدا يجعل كلامهم هذا واقعا؛ إنه دمهم وإقدامهم النوعي المدوي.. إنها الجزائر المسلمة الوطن واللغة والدين.. وبعد سنوات قليلة لا تتجاوز الثلاث أضيئت سماء الجزائر بأسماء أصبحت هي من يمنح الأشياء حقيقتها.. مصطفى بن بولعيد، العربي بن مهيدي، ديدوش مراد، زيغود يوسف، باجي مختار، عميروش.. وسواهم من الرجال الكبار، أصبح هؤلاء هم الكبار الكبار.. وأصبحت أحلامهم هي قدر الجزائر ومستقبله.. ومن ثم التحقت كثيرٌ من القيادات السياسية المعروفة بخنادق الثورة فأحسنت لنفسها وهي تسير في ركب الثورة التي فجرها الشبابالمجانين“.

في فلسطين أيضا تقول ثورة أكتوبر العظيمة إن الشباب لا يتجاوز عمر غالبيتهم 24 سنة، وإن كلامهم أقرب للحلم، وإنهم بلا قيادة معروفة في حين تقف التنظيمات العتيدة بقياداتها المعروفة وبناطقيها الرسميين الذين كانوا يملأون الدنيا هجومات وانتقادات لبعضهم بعضا تراقب من بعيد تخشى أن يتجاوزها الزمن وتقف القيادات السياسية العاقلة جدا والمتعوّدة على ملء الشاشات للسب والشتم في أطراف الانقسام، تقف مدهوشة تحاول أن تحدد إطار الانتفاضة الثورة وترسم معالمها وتلوي عنقها لصالح أهداف آنية.. إلا أن الأيام الطويلة الصعبة على مدار الأسابيع المباركة الفائتة تعلن بجلاء أنه ليس لأحد القدرة على حرْف الثورة ولا ركوبها ولا ليّ عنفوانها.. إنها انطلقت بهدف محدد واضح، إنه كل فلسطين.. ويدرك الشباب أنهم سيحوّلون هذا الكلام إلى واقع بدمهم وإقدامهم النوعي الصاعق.. وسترتفع أسماء شهداء الثورة وسيعرف الجميع أن هؤلاء الذين أحسنوا اختيار أدواتهم وجملتهم يعرفون تماما كيف يسيرون؟ وإلى أين يسيرون؟ وماهي خطواتهم القادمة؟ وسيعزز الشعب من خلال الخيّرين فيه ذوي الخبرة والهمّة الثورة فيمنحونها آمادا أبعد ويفتحون لها مجالات تعزز خيارها لتصبح قدر فلسطين الحرة.

أجل تجلت لغة الانتصار وأخلاقه وقيمه في ثورة نوفمبر الجزائرية المجيدة فأنتجت ثقافة وقادة ومفردات وسلوكا جديدا تماما، أنه منتوج روح الانتصار والإقدام، وهاهي تتجلى في ثورة أكتوبر الفلسطينية العظيمة قيمٌ ترفض القسمة والتسوية والحلول الوسط.. ترفض المهانة والتشرذم والانقسام والتردد وتنبعث لهدف واضح محدد بروح منتصِرة ترسم معالم المستقبل لفلسطين الحرة العربية الواحدة المباركة وطرد المستعمرين العنصريين.

 

أجل، إن الكلام المنتصر الآن في هذه الأيام الأولى من عمر الثورة يشبه الرصاص المدوي وحدّ السكاكين التي تلمع في أعين العدو، وله ثمن باهظ، ولكن له قيمة تاريخية في أنه يسجل شهادته أمام الله والتاريخ والأمة، وهذا ليس فقط إنما هو يعبر في جوهره عن إرادة الحياة ورفض الموت المهين والذل المقيم، أنه يعبر بجلاء عن وعي باللحظة التاريخية وخطورتها في عمر الشعب والأمة.. فتنسحب الهزيمة والمنهزمون وليجرّوا كلماتهم الساقطة ومنطقهم الغبي وليوفروا على أنفسهم تحريك أوتار حناجرهم العفنة.. فإن ثورة نوفمبر المجيدة تبارك ثورة أكتوبر وتقول لها: أشيح بوجهك عن القعدة من المخلفين الخوالف.. فغدا سيهرولون الى المواقع والصفوف.. أما أنت ياثورة فأنت الحياة المباركة بشهدائك ومجاهديك والنصر لك والمجد لمن يصنع صبح الشعب.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!