في ميلة
تكرمت ولاية ميلة فدعتني بواسطة السيد مدير الشؤون الدينية للقيام ببعض النشاط في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، وأعترف أن زيارتي لم تكن”خالصة” لوجه الله تعالى، بل أضفت إليها “صلة رحم”..
قضيت في ميلة ثلاث ليال، التقيت في أثنائها إخوتي في الدين والوطن في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وعبر أمواج إذاعتها، التي أهنئ القائمين عليها والعاملين فيها على ما لاحظته من نظافة لم أشاهدها فيما زرت من إذاعات عبر الجزائر. لقد استرجعت مع من كنت معهم الحديث عن رموز منطقة ميلة، فتذكرنا أول ترافع لقواعد المسجد الأول في الجزائر، الموجود في مدينة ميلة، وهو المجاهد الفاتح الشهيد أبو المهاجر دينار، الذي استشهد مع سيدنا عقبة بن نافع في موقعة “تهودة” بالقرب من بسكرة، وأرجو أن يرمم هذا المسجد ويعاد إلى سيرته الأولى .. كما تذكرت رمزها الكبير العالم المصلح، بل “فيلسوف الحركة الإصلاحية” عبر كتابه “رسالة الشرك ومظاهره” و“محرر تاريخ الجزائر” من “الاستعمار التاريخي” الذي كتبه المؤرخون الفرنسيون من أمثال ستيفن غزال، وإميل فيلكس غوتيي، وجبريال اسكير، وشارل أندري جوليان وغيرهم ..وقد أشار إلى هذين العملين الشيخ “أحمد سحنون“ فقال مخاطبا روح الشيخ الميلي:
حررت من سوء اعتقاد بالذي ** حررته في“الشرك” من تبيين
وجلوت “تاريخ الجزائر“** عفّى معالمه غبار سنين
كما يجعلك أحد التماثيل القائم في قلب مدينة ميلة تسترجع أعمال شخصية هامة في تاريخ الثورة، وهي شخصية المجاهد “عبد الحفيظ بوصوف” مؤسس “المخابرات الجزائرية“. وقد لاحظت أن شخصيته أكثر حضورا من شخصية مناضل آخر لا يقل عنه مكانة هو عبد الله ابن طوبال..
لقد اغتنمت فرصة وجودي في مدينة ميلة لأتأكد من خبر سمعته وهو وفاة الأستاذ المجاهد عبد الرحمن ابن غمراني، فأُكِد لي ذلك، فترحمت عليه..
عرفت هذا الرجل في سنة 1986 في مسجد باريس، وعملنا سويا حولين كاملين.. كان مسؤولا عن إدارة المسجد وماليته.. وقد تبين لي بعد الملاحظة أنه من معدن أصيل، يحرص على مصلحة المسجد كحرصه على مصلحة أولاده أو أشد حرصا.. وقد كان أستاذا في مادة الرياضيات في معهد ابن باديس، وكان من أوائل من لبّى نداء الجهاد.. ورغم أنه كان على علاقة متينة بكبار المسؤولين فقد أنهى حياته في شقة متواضعة بالجزائر العاصمة .. يستنكف أن يتديّرها من يساوي درهما أو أقل..
وقد تفضل الإخوة فأخذوني في زيارة لسد“بني هارون” العملاق، وما ساءني فيه إلا استنكاف المسئولين عن كتابة البيانات المتعلقة به باللغة الوطنية، والاقتصار على لغة العدو الفرنسي.. وصدق القائل:
وما ابتليت يوما بشر قبيلة**أضر عليها من سفيه يسوسها
وأي سفيه أسفه ممن يحتقر لغته؟