في ورْجلّان (1)
سواء كان السفرُ– برا أو بحرا أو جوّا- قطعة من العذاب، أم العذابُ قطعةً من السفر، فتلك هي الحقيقة. ولكنّ العذابَ يصير عذبا إن كان في صحبة عالم، وكان المَزُورون فضلاء، وذلك ما عشتُه في رحلتي إلى مدينة ورْجلّان… أمّا الصاحبُ في السفر فهو الأستاذ الدكتور مالك بوعمرة سونة، وأمّا المَزُورون فهم إخوة يجسّمون قول الشاعر العربي:
وإنّي لعبدُ الضيف ما دام ثاويًا وما فيّ إلا تلك من شيمةِ العبد
استغرقت الرحلة يومي 11- 12/5/2025، وبمجرّد أن نزلنا في مطار ورقلة حتى التهبنا بدرجة حرارة مرتفعة، ولكنها كانت بردا وسلاما إذا ما قورنت بحرارة الأخوّة التي “اكتوينا” بها طيلة وجودنا في ورقلة.
استهللنا زيارتنا التي كانت بدعوةٍ كريمة من “المكتبة العمومية” للمدينة، وشعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الولاية، استهللنا هذه الزيارة بجلسةٍ طيّبة في أحد بيوت آل بن ساسي، وعميدهم هو الأستاذ إبراهيم ابن ساسي، الذي لا أبالغ إذا قلتُ فيه: “إنّه أمّة”. ولم نغادر البيتَ المعمور إلا على حلاوتين: حلاوة الطعام وحلاوة الكلام.
ثمّ توجّهنا إلى عيادة متميّزة اسما وعملا. أمّا اسمها فهو “عيادة عادة”، و”عادة” هذه هي والدة الدكتور محمد كمال عبّازي، الذي كان بَرًّا بوالدته فأطلق اسمها على عيادته، وعلى منزله الأنيق… وأشهدُ إنّني لم أرَ عيادةً مثلها في ما عرفتُ من عيادات شمالا وجنوبا من حيث الإطار البشري والتجهيزات… ومن حيث النظافة وحسن الاستقبال، من الابتسامة الجميلة إلى الكلمة الطيبة… مما يشيع الأمل والرجاء في نفوس المرضى… وطبعا، فإنّ كلَّ ذي نعمةٍ– مادية أو معنوية- محسود، ولكنّ الدكتور محمد كمال يستعين على ذلك بالصبر والإيمان.
ثم– بعد استراحة قصيرة- توجّهنا إلى “المكتبة العمومية” التي أجزم بأنّني لم أرَ مثلها في ما عرفتُ من مكتبات عمومية، عمرانا، وتجهيزا، ونشاطا…
عقدنا في المكتبة ندوةً تحت عنوان “أهمّية التاريخ في صناعة الشخصية والأمل المنشود”، وقد نشّطها الدكتور مالك بوعمرة سونة، وكاتبُ هذه الأسطر، وأدارها الأستاذ إبراهيم… وذهبنا في ندوتنا إلى ضرورة أو وجوب إرواء مجتمعنا مما سمّاه الإمام محمد البشير الإبراهيمي “الظمأ التاريخي”، فإن لم نفعل اضطررنا إلى “إرواء” هذا الظمأ بماءٍ آسن، وهو ما عبّر عنه الشاعرُ الشاب رمضان حمّود الميزابي بقوله: “التاريخ مُحيي الأمم، وإذا شربته في كأس غيرها قتلها”… ووسيلتُنا إلى ذلك هي “تحرير تاريخنا” كما يقول الأستاذ محمد الشريف ساحلي البجائي، وقد نبّهْنا إلى بعض ما يطلبه منا فرنسيون، ومنهم شارل أندري جوليان وجاك بيرك “صديقنا الجزائر” من ألا نكتب تاريخَنا مع الفرنسيين بروح “الاستنكار”؛ أي لا نستنكر ما فعله فينا الفرنسيون من جرائم تُنطق الموتى في اللحود والأطفال في المهود… ويعدّون ذلك من “أمجادهم” التي يخجل منها أطغى الطغاة، وأعتى العتاة، وأبغى البغاة… ولكنّ الفرنسيين أوقحُ الوقحين.