قاعات حفلات ومحلات لبيع الألبسة والأثاث تنقلب إلى إسطبلات!
وأنت تتجول في شوارع وأزقة العاصمة هذه الأيام، تصادفك قطعان الأغنام وأكوام العلف والتبن في كل جانب.. ويخيل إليك وكأنك تسيير بين إسطبلات في منطقة لتربية المواشي.. أو أن المدينة لبست ثوب الريف فجأة ودون سابق إنذار.. محلات، قاعات حفلات، مقاه، مستودعات وحتى أقبية.. المهم مكان لوضع قطيع الأضاحي والربح في ظرف قياسي!
“إنها الفرصة.. لماذا لا ننتهزها؟..المهم مكان لحشر هذه الرؤوس من الماشية إلى غاية بيعها، الواحدة تلو الأخرى”.. عبارة قالها بائع استغل قاعة حفلات تقع في الطابق السفلي لبناية بحسين داي، لحشر عشرات الأضاحي وتسويقها إلى قاطني المنطقة، حيث استأجرها رفقة صديق له، من مالكها بمبلغ معتبر رفض الكشف عنه، وباشرا البيع فيها منذ شهر.
وغير بعيد عن هذه القاعة، فتح أحد الخواص مستودعا كبيرا، لباعة الأضاحي يضم ما يزيد عن 300 رأس من الماشية، بين نعاج وخرفان وكباش.. وهو مستودع يقع بين فيلات، يقابل مستوصفا، ويحاذي مطاعم ومحلات، ببابه الواسع، جعل أقدام المتوافدين عليه تجر وراءها فضلات الأضاحي وبقايا العلف والتبن.
بين كل محل ومحل.. يكاد يكون مستودع للكباش والنعاج، وهي مستودعات في الأصل محلات لبيع الأثاث أو الملابس أو الحلويات، وقاعات حلاقة وأفراح ومحلات غسل السيارات، ومرائب، في الحراش، باش جراح، حسين داي.. أصحابها أخلوها من سلعهم أو أثاثهم وأجّروها دون عقود إلى بائعي الأضاحي بمبالغ تناهز 20 مليون سنتيم للشهر.
وتعود ملكية المستودعات إلى بعض العائلات والأقارب، حيث استغلوا الظرف لتحقيق الربح، وبيع الماشية بسعر الذهب عن طريق زيادة تفوق 5 آلاف دج عن سعر بيعها في النقاط العمومية.
وللأطفال.. فرصة للفرجة والترفيه
هذه الأماكن المكتظة بالأضاحي وأعلافها، على قدر انبعاث روائح الروث والبعر منها، إلا أنها تستقطب الأطفال بشكل ملفت للانتباه.. بل أصبحت أماكن للفرجة والترفيه والتسلية ومساحات عوضت نقص الملاهي وفضاءات اللعب وحدائق الحيوانات.
أمهات وآباء يصطحبون أولادهم بعد انتهاء العمل في المساء، إلى هذه المستودعات التي تحوي كباشا بقرون، ونعاجا، حيث يفرح بها الصغار ويمسكونها من آذانها وقرونها.. يتمسحون عليها بأجسادهم ويداعبونها ويبكون في حالة ما لم يعط لهم أولياؤهم وقتا طويلا للعب رفقة أترابهم مع الأضاحي.
قال كهل كان برفقة ابنته وابنه: “يرغمانني على المجيء يشكل يومي إلى هذا المستودع الكبير، ونسيا أجواء البحر بعد انشغالهما باللهو، هنا، رفقة أطفال آخرين”.
وتؤكد سيدة كانت برفقة طفلة، أنها ومن دون أن تشعر تمر بهذا المستودع لتتفرج رفقة ابنها على الأضاحي.. و”كم يجد ابني سعادته هنا.. تعجبت منه، لقد نسي كل أماكن اللعب ونسي منتزه الصابلات وأدمن على هذه الأماكن لأجل عيون الأضاحي..” قالت هذه السيدة التي وجدناها في أكبر مستودع لبيع الأضاحي في حسين داي.
توافد الأطفال رفقة أوليائهم على مستودعات بيع المواشي، بات للفرجة أكثر منه لشراء الأضاحي، وأعطى فرصة للأطفال ليشترطوا على ذويهم شراء الأضاحي التي تعجبهم، التي يرغبون فيها.
المحرومون من شراء الأضحية بين متعة الفرجة وعذاب المشاحنات
وشكّلت هذه المستودعات والإسطبلات القريبة من الأحياء السكنية المكتظة في المدن الكبرى، بالنظر إلى المضاربة في أسعار الأضاحي، حالة مشاحنات بين الأطفال الذين جعلوا من التفاخر والتعالي على بعضهم البعض وسيلة لإرغام أوليائهم على شراء ما يختارونه هم من الكباش.
فبين الفرجة واللعب والترويح عن أنفس هؤلاء الأطفال، وجد الأولياء أنفسهم في مأزق، في الوقت أقنع فيه آخرون أبناءهم بالتمتع واللهو بالأضحية داخل أماكن بيعها إلى غاية حلول العيد، وهو حل للذين لا يستطيعون شراءها.
في حسين داي، تولى الكثير من الأطفال مهمة جرّ الأضحية بمفردهم بعد أن يشتريها أولياؤهم من مستودعات بيعها، إلى منازلهم وهو ما شكّل حالة من الفوضى وعرقلة لحركة مرور السيارات التي تمر بالمنطقة. وأصبحت الأضاحي منتشرة بين الناس وكأنها ألعاب يعبث بها الأطفال!
نظافة المحيط وسلامة المواشي.. خارج الاهتمام
أحياء العاصمة، وحسب الاستطلاع الذي قمنا به، افترشت ببقايا التبن والأعلاف والروث، ومما كرّس ذلك تغلغل المواطنين بين قطعان الماشية المكتظة في محلات الوسطاء، واللامبالاة من طرف السلطات المحلية.
وفوق كل هذا، فإن شروط الحفاظ على سلامة هذه الأضاحي غير متوفرة في الكثير من الأماكن الموجودة فيها.
وأكد في هذا الصدد مصطفى زبدي، رئيس الجمعية الوطنية لحماية المستهلك، أن شروط النظافة وحماية الماشية لا يحترمها هؤلاء “المبزنسون” في المدن، حيث تنعدم في الكثير من الأحيان التهوية والغذاء والماء.
ويجب حسبه، أن تبقى الأضاحي تحت أشعة الشمس وفي الهواء الطلق ولا تحشر في الأقبية والمحلات الضيقة طوال اليوم. وحذّر المتحدث من هذا التصرف الذي يجعل الأضحية مريضة.
ودعا إلى تنظيف الشوارع والأحياء من الروث والتبن حفاظا على صحة المواطن، خاصة ونحن في أيام ساخنة.