قالمة تراهن على ثروتها الساخنة لاستقطاب السياح خلال العطلة المدرسية
استعادت الحمامات المعدنية بولاية قالمة هذه الأيام، حركيتها السياحية مع بداية اعتدال الطقس وانخفاض درجات الحرارة، لتتحول مجددا إلى قبلة للعائلات والسياح القادمين من مختلف مناطق الوطن، بحثا عن الراحة والاستجمام والاستفادة من خصائص المياه المعدنية الساخنة المتدفقة من باطن الأرض، فضلا عن الاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة التي تزخر بها المنطقة، في مشهد يعكس المكانة التي تحتلها السياحة الحموية ضمن المقومات السياحية التي تتميز بها عاصمة المياه المعدنية.
وقد تحولت ولاية قالمة، في السنوات الأخيرة، إلى قطب حقيقي للسياحة الحموية في الجزائر، بالنظر إلى ثروتها الطبيعية التي تتجاوز 20 منبعا مائيا معدنيا ساخنا، موزعة عبر مختلف مناطق إقليم الولاية، من بلديتي بوحشانة وعين العربي بأقصى الجهة الجنوبية، إلى حمام النبائل شرقا، مرورا بمنطقة حمام أولاد علي ببلدية هيليوبوليس شمالا وحمام دباغ غربا. وبينما جرى استغلال عدد من هذه المنابع في إنشاء حمامات ومركبات سياحية مجهزة لاستقبال الزوار، لا تزال منابع أخرى تتدفق طبيعيا من باطن الأرض، مشكلة ثروة مائية حرارية ذات أهمية سياحية.
وتتصدر منطقتا حمام دباغ وأولاد علي قائمة الوجهات الحموية الأكثر استقطابا للزوار، بفضل ما تتوفران عليه من مركبات سياحية ومرافق للاستحمام والاستجمام، فضلا عن خدمات صحية مرتبطة بالعلاج بالمياه المعدنية وإعادة التأهيل الوظيفي والحركي للجسم، حيث ساهمت هذه الخدمات في استقطاب فئات مختلفة من الزوار، لاسيما المرضى والباحثين عن الاستفادة من الخدمات التي تُقدمها المحطات العلاجية المتخصصة، بما فيها بعض المحطات التابعة للخدمات الاجتماعية لمؤسسات وهيئات عمومية بمنطقة حمام دباغ.
وتبلغ الحركة السياحية بالمنطقة ذروتها عادة خلال العطلتين المدرسيتين الشتوية والربيعية، حين تتوافد أعداد كبيرة من العائلات والزوار، لتتحول المنطقة إلى فضاء حيوي يجمع بين الاستحمام بالمياه الساخنة والاستمتاع بالمشاهد الطبيعية الساحرة، وسط الطبيعة العذراء، خاصة وأن بلدية حمام دباغ تدعمت خلال السنوات الأخيرة بالعديد من هياكل الاستقبال والمرافق السياحية، من فنادق ومراكز للإيواء ومطاعم، بما من شأنه تعزيز قدراتها على استقبال الزوار، خاصة خلال العطلة المدرسية الشتوية المقبلة.
وتنفرد حمام دباغ بخصائص حرارية مميزة، إذ تصل درجة حرارة مياهها الساخنة المتدفقة من باطن الأرض إلى نحو 98 درجة مئوية، وهي خاصية جعلت المنطقة تحتل المرتبة الثانية عالميا بعد مياه آيسلندا، وفق المعلومات المتعلقة بخصائصها الحرارية. وتمنح هذه الثروة الطبيعية المنطقة مكانة بارزة ضمن الوجهات الحموية، وتزيد من جاذبيتها لدى الزوار الراغبين في اكتشاف ما تزخر به قالمة من مقومات سياحية طبيعية.
ولا تقل منطقة حمام أولاد علي، الواقعة بإقليم بلدية هيليوبوليس، أهمية من حيث الإقبال السياحي، بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي الذي يربط بين ولايات قالمة وعنابة وسكيكدة، حيث تشهد المنطقة حركية متزايدة خلال الفترات المسائية، تتعزز مع نهاية الأسبوع والعطل، بفعل توافد المواطنين والعائلات الراغبين في الاستحمام والاستجمام، مستفيدين من توفر هياكل استقبال راقية تابعة للخواص، إلى جانب غرف للاستحمام تملكها بلدية هيليوبوليس، كما ان هذه المنطقة التي اشتهرت في السنوات الأخيرة بموقعها الاستراتيجي بين الولايات وفي أحضان الطبيعة، حيث تحيط بها سلسلة من الجبال الخضراء من كل الجوانب، استفادت من عدة عمليات تهيئة وتأهيل ضمن مخططات التنمية المحلية، وأخرى بادر بها الخواص من اصحاب المركبات السياحية المتواجدة بالمنطقة، لتحسين هياكل الاستقبال وتطويرها بأفكار جديدة لتحقيق مسعى جذب السياح.
ويعزز الموقع الجغرافي الهام لقرية حمام أولاد علي جاذبيتها لدى سكان الولايات المجاورة، خاصة عنابة التي لا تبعد عنها سوى بنحو 60 كيلومترا، وسكيكدة التي تفصلها عنها مسافة تقارب 70 كيلومترا، فضلا عن قربها من الطريق السيار شرق ـ غرب، عبر مدخل عين شرشار بولاية سكيكدة، وهو ما يسهل الوصول إليها ويجعلها وجهة مناسبة للرحلات العائلية القصيرة، خاصة خلال عطلات نهاية الأسبوع.
وإلى جانب حمام دباغ وحمام أولاد علي، تتوفر ولاية قالمة على مجموعة أخرى من الحمامات المعدنية، على غرار حمام النبائل والحمامات الموجودة ببلدية عين العربي، ومنها حمام قرفة وحمام بلحشاني، التي تستقبل بدورها الزوار والعائلات الباحثة عن الراحة والانتعاش، في ظل تنوع المنابع المائية الساخنة وتوزعها عبر مناطق مختلفة من الولاية، وهو ما من شانه إعطاء انطلاقة جديدة للسياحة الحموية بالولاية.
وتعزز هذه المقومات الطبيعية، إلى جانب المرافق السياحية المتوفرة وظروف الأمن وحركية الاستثمار والمبادرة لدى المتعاملين، فرص انتعاش السياحة الحموية بقالمة خلال الفترة المقبلة، خاصة خلال أيام العطلة المدرسية الشتوية التي تشهد عادة ارتفاعا في أعداد الوافدين للمنطقة من مختلف ولايات الوطن، وحتى من خارجه.
وفي ظلّ الاهتمام بقطاع السياحة الحموية فإن الرهان يظل قائما على تحسين نوعية الخدمات المقدمة للسياح خاصة فيما يتعلق بضرورة مراجعة الأسعار، وتطوير هياكل الاستقبال والترويج للمناطق الحموية، بما يسمح بتثمين هذه الثروة الطبيعية وتحويلها إلى رافد للتنمية المحلية وتنشيط الاقتصاد السياحي بالولاية، التي تزخر أيضا بوجود العديد من المعالم الأثرية التاريخية، التي يمتد تاريخها إلى العهد الروماني وحتى ما قبل التاريخ، ناهيك عن الفضاءات السياحية في المناطق الجبلية والتي تم تدعيمها بهياكل استقبال على غرار مخيم الشباب بجبل ماونة وفضاء التسلية بنفس المنطقة، في انتظار تجسيد مشاريع أخرى مماثلة في باقي المناطق في إطار تشجيع الاستثمار لبعث السياحة الجبلية.