قانونٌ فاشي لإعدام الأسرى الفلسطينيين
ليس في قانون إعدام الأسرى الذي أقره الكنيست يوم 30 مارس الماضي ما يثير الغرابة لعلمنا وقناعتنا بأن ما يخالف ذلك هو عين الغرابة وفق التصور الصهيوني الذي لا ينظر إلى الأسرى الفلسطينيين على أنهم عنصر يستحق الحياة، بل ينظر إليهم على أنهم جزء من “محور الشر” الذي ينبغي أن يباد عن بكرة أبيه بأي طريقة كانت، فكل الطرق مباحة لأن الكيان لا يعترف بشيء اسمه حقوق الإنسان، ففلسفته قائمة على مبدأ عنصري وهو أنه لا حقوق إنسان إلا لشعب إسرائيل، وأما غيره فكتلة مهملة وصفرية لا تتمتع بأي حقوق.
إن قتل الأسير وتعذيبه وتعنيفه محرَّم في كل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، ولكن الكيان لا يرى نفسه ملزما بهذا التحريم الذي لا يخصه بل يخص “الغوييم” الذين لا يستحقون الحياة لأن الحياة هي الحق الأسمى الذي لا يستحقه إلا شعب أرقى هو الشعب اليهودي. إن إقرار الكنيست لقانون إعدام الأسرى هو شكل من أشكال شرعنة الجريمة، فالإعدامات كانت قائمة ولكم الجديد فقط أنه جرت شرعنتها من قبل الكنيست، فقد كانت هناك إعدامات كثيرة داخل الزنزانات وإعدامات ميدانية تلفها سرية كبيرة وإعدامات في مراكز الاعتقال طالت كل الفئات العمرية وبخاصة الفئات الشبابية وحتى القصَّر أمام صمت الهيئات الدولية إلا ما كان من قبيل بيانات الشجب والتنديد التي لا تكترث لها إسرائيل الماضية في مخططها الإجرامي لا يحكمها رادع ولا وازع لأنها ترى نفسها غير معنية بهذه القيم التي وجدت لغيرها من الأمم، فإسرائيل تحكمها قيم أخرى من طبيعة مختلفة لا ترى الإمعان في قتل الآخرين جريمة إنسانية بل رسالة وجودية. إن الكنيست في الرؤية الإسرائلية يؤدي دوره التشريعي وفق المنظور التلمودي الصهيوني الذي لا ينظر إلى الجريمة بمنظار هيئة الأمم، بل بمنظار المؤسسة الحاخامية التي تمسك بزمام السلطة في إسرائيل وتمارسها على كل المستويات وتخضع لها كل الهيئات بما فيها الكنيست.
إن إقرار الكنيست لما سمي “قانون إعدام الأسرى” يمثل خرقا صريحا وصارخا لاتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب، لاسيما المادة 13 منها التي تنص على أنه: “يجب معاملة أسرى الحرب معاملة إنسانية في جميع الأوقات. ويُحظر أن تقترف الدولة الحاجزة أي فعل أو إهمال غير مشروع يسبِّب موت أسير في عهدتها، ويعتبر انتهاكا جسيما لهذه الاتفاقية. وعلى الأخص، لا يجوز تعريض أي أسير حرب للتشويه البدني أو التجارب الطبية أو العلمية من أي نوع كان مما لا تبرره المعالجة الطبية للأسير المعني أو لا يكون في مصلحته .وبالمثل، يحب حماية أسرى الحرب في جميع الأوقات، وعلى الأخص ضد جميع أعمال العنف أو التهديد، وضد السباب وفضول الجماهير .وتحظر تدابير الاقتصاص من أسرى الحرب”. وكذا المادة 14 من الاتفاقية ذاتها التي تنص على أنه “لأسرى الحرب حق في احترام أشخاصهم وشرفهم في جميع الأحوال .ويجب أن تعامَل النساء الأسيرات بكل الاعتبار الواجب لجنسهن. ويجب علي أي حال أن يلقين معاملة لا تقل ملاءمة عن المعاملة التي يلقاها الرجال. يحتفظ أسرى الحرب بكامل أهليتهم المدنية التي كانت لهم عند وقوعهم في الأسر. ولا يجوز للدولة الحاجزة تقييد ممارسة الحقوق التي تكفلها هذه الأهلية، سواء في إقليمها أو خارجه إلا بالقدر الذي يقتضيه الأسر”.
إن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: أين الأمم المتحدة من هذه الخروق الصهيونية المستمرة للمواثيق الدولية؟ ومن يوفر الحماية والحصانة لإسرائيل لكي تتمادى في هذه الخروق وترمي بالقرارات الأممية في سلة المهملات من غير أن تتعرض لعقوبات ولا حتى مساءلات قانونية؟ كل العالم يعرف من يقوم بهذا الدور ولكن لا أحد يستطيع أن يحرك ساكنا ولو أراد لأنه لا إرادة لمن لا يملك القوة. ألم يأنِ للمجتمع الدولي أن يتحرك ولو على استحياء من أجل الحفاظ على ما تبقى من هيبة ومصداقية للهيئات الدولية أمام التعنت الإسرائيلي؟ المجتمع الدولي يعيش فصلا عنصريا أعتى من كل أشكال الفصل العنصري التي قرأنا عنها في تاريخ الأنظمة المستبدة من هامان إلى تراجان إلى أنظمة الاستبداد في كل زمان ومكان.
إن أضعف الإيمان أمام تمادي الكيان الصهيوني في خرق حقوق الفلسطينين هوأن تبادر الأمم المتحدة على الأقل بما يحفظ ماء الوجه وينقذ ما تبقى لها من مصداقية أو ترفع الراية البيضاء وتقر بهزيمتها وتسلم الشعب الفلسطيني لقدره بعد أن عجزت كل التقارير الأممية بما فيها تقرير “غولدستون” عن حماية حقوقه المشروعة وفي مقدمتها حقه في الحياة وحقه في المعاملة الإنسانية والمحاكمة العادلة في حالة الحرب وخاصة ما يتعلق بالأسرى الفلسطنيين الذين سيواجهون بعد إقرار “قانون المقصلة” من قبل الكنيست وضعا صعبا قد يودي بحياة عدد كبير منهم ممن تشملهم قرارات الإبعاد التعسفي والحجز القسري على خلفية أفعال تندرج ضمن حقهم المشروع في محاربة الاستبداد ومقاومة الاحتلال.
قدَّم الباحث أحمد مبارك الخالدي أستاذ القانون الدستوري وعميد كلية القانون بجامعة النجاح سابقا لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ببيروت رأيا استشاريا حول: “حقوق الأسرى والمدنيين في القانون الدولي ومشروع القانون الإسرائيلي بإباحة إعدام الأسرى وإبعاد الفلسطينيين”، ومن مخرجات هذا التقرير تأكيده أن هذا المشروع هو استجابة لطلب المتطرفين بن غفير وسموتريتش اللذين قدَّما التماسا للحكومة اليمينية المتطرفة التي يرأسها بنيامين نتنياهو بالتفكير في سن قانون يجيز قتل الأسرى الفلسطينيين وحتى المدنيين ممن يشتبه الاحتلال في أنهم يشكلون خطرا عليه في المستقبل ولو في غياب كل ما يدينهم أو يؤكد ارتكابهم للأفعال التي يعتقلون من أجلها أو يتابعون بموجبها. يقول أحمد مبارك الخالدي في هذا الصدد: “بادر بنيامين نتنياهو الذي شكَّل الحكومة الأكثر تطرفا في تاريخ الكيان الصهيوني منذ 1948 بالموافقة على طلب الوزيرين المتطرفين بن غفير وسموتريتش اللذين يتوليان أخطر وزارتين في حكومته بأن يقوما بالترويج لإقرار يبيح للإسرائيليين من جيش وشرطة ومستوطنين ارتكاب جرائم الحرب، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم إبادة وجرائم عدوان وإبعاد الفلسطينيين عن وطنهم، الذين يقاومون الاحتلال الغاصب لوطنهم، ضاربا عرض الحائط بأحكام القانون الدولي، كما يبيح قتل الأسرى منهم، ويبيح ارتكاب تلك الجرائم حتى ضد المدنيين الذين يفترض الاحتلال أنهم يشكلون خطرا عليه في المستقبل”.
ما كان مشروعا بالأمس أصبح قانونا بعد تصويت الكنيست عليه بالأغلبية (موافقة 62 عضوا ومعارضة 48 عضوا) وهذا نذير شؤم وتحد صعب لهيئات المجتمع الدولي وفي مقدمتها مجلس حقوق الإنسان الذي أبان عن عجزه في وضع أحكامه وبنوده موضع التنفيذ وعجزه عن مساءلة الكيان الصهيوني فضلا عن إدانته وعقابه على الجرائم الشنيعة التي يرتكبها في حق الفلسطنيين.
لن يأخذ قانون المقصلة الطابع النهائي إلا بعد موافقة المحكمة العليا الإسرائيلية عليه، وهناك احتمال في رأي بعض القانونيين أن تصدر هذه المحكمة قرارا بنقض هذا القانون بالنظر إلى وضعها القانوني وتشكيلتها وبالنظر إلى أن رئيسها يتسحاق عميت معروفٌ بمعارضته وتحذيره المتكرر للحكومة اليمينية -كما قالوا- من خطورة تجاهل قرارات القضاء، مؤكدا أن تقويض احترام الأحكام القضائية من قبل شخصيات عامة يهدد أسس الديمقراطية ويضرب مبدأ المساواة أمام القانون. لكننا لسنا متفائلين كثيرا بالقرار الذي ستتخذه المحكمة العليا في الكيان الصهيوني حيال قانون المقصلة وهذا رغم ما عرف عن يتسحاق عميت من رفضه للقوانين التي تفكك النظام الديمقراطي في إسرائيل -على حد زعمه- ومن ذلك انتقاده لأوضاع السجون الإسرائيلية في 2025 ووصفها بأنها “غوانتنامو”. يجب أن ننتظر وأن لا نغتر بهذا الاختلاف الذي يخفي ائتلافا حينما يتعلق الأمر بمستقبل دولة الكيان وبمشاريع تقويض ما تبقى من فلسطين، فالاحتلال ملة واحدة سواء بنسخة بنيامين نتنياهو أو نسخة عميت أو نسخة أوحان.
ليس في قانون إعدام الأسرى الذي أقره الكنيست يوم 30 مارس الماضي ما يثير الغرابة لعلمنا وقناعتنا بأن ما يخالف ذلك هو عين الغرابة وفق التصور الصهيوني الذي لا ينظر إلى الأسرى الفلسطينيين على أنهم عنصر يستحق الحياة، بل ينظر إليهم على أنهم جزء من “محور الشر” الذي ينبغي أن يباد عن بكرة أبيه بأي طريقة كانت، فكل الطرق مباحة لأن الكيان لا يعترف بشيء اسمه حقوق الإنسان، ففلسفته قائمة على مبدأ عنصري وهو أنه لا حقوق إنسان إلا لشعب إسرائيل، وأما غيره فكتلة مهملة وصفرية لا تتمتع بأي حقوق.