الرأي

قانون تجريم الاستعمار: نهاية الجدل وبداية الحسم

محمد بوالروايح
  • 1644
  • 0

الاستعمار مجرمٌ بكل المقاييس لأنه يشكل انتهاكا لمبدأ الحق في الحياة الذي تجمع عليه الشرائع السماوية والقوانين الوضعية لا يقول بخلاف ذلك إلا أشياعه وأتباعه الذين يصفونه بما يخالف طبيعته، بأنه شكلٌ من أشكال التنوير والتحرير والتأديب لشعوب متخلفة غليظة الرقبة، عمل فيها الزمن عمله وغير قابلة للترويض إذا اقتضى الأمر إلا بأساليب القهر والجبر.

والاستعمار شر كله، ليس فيه ما يُحمد فهو رجس من عمل الشيطان لا تُبتلى به أمة إلا آذنت بالخراب وتداعت للخلاص، ولا خلاص لها إلا بتحريك سواكنها والتشمير عن سواعدها، فالاستعمار لا يفهم إلا لغة المقاومة وهو عن سائر اللغات أصم أبكم. هذه رسالة لمن يمجدون الاستعمار، ويغضّون الطرف عن مساوئه بإشغال الناس بمحاسنه المزعومة، وما نعرف للاستعمار من محاسن تُذكر إلا إذا قلّبنا قاموس اللغة رأسا على عقب، فجعلنا سوء الأخلاق مكان مكارم الأخلاق، وهذا مستحيل.

هناك جرائم إنسانية تشكّل أساسا لقانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، فهل يختلف اثنان في أن النفي القسري للجزائريين إلى كاليدونيا الجديدة وغويانا ليس جريمة؟ وأن أعمال النسف والقصف للقرى والمداشر ليس جريمة؟ وأن قتل المدنيين ليس جريمة؟ وأن إقامة الأسلاك الشائكة ليس جريمة؟ وأن التفجيرات النووية في رقان وما خلّفته من آثار مدمرة على الإنسان والبيئة ليس جريمة؟ وأن تعذيب الجزائريين في الغرف المظلمة ليس جريمة؟ وأن نزع فروة رأس العربي بن مهيدي ليس جريمة؟ وأن النهب الممنهج للثروات ليس جريمة؟ وأن إخضاع الجزائريين دون سواهم للقوانين الاستثنائية ليس جريمة؟…

الاستعمار شرٌّ ابتليت به شعوب كثيرة في المعمورة ولكن نصيب بعضها منه أكبر وجرمه في حقها أشنع، ومن هذه الشعوب الشعب الجزائري الذي عانى من ويلات الاستعمار الفرنسي مائة واثنين وثلاثين سنة، جُرِّد فيها من حقوقه الإنسانية واعتُدي فيها على موارده الطبيعية، وارتكبت في حقه أبشع الجرائم التي يندى لها الجبين، جرائم وثَّقها التاريخ ودوَّنها بالأحمر القاني، لا تقبل المقايضة، ولا تسقط بالتقادم.

إن تجريم الاستعمار الفرنسي واجب وطني ومبدأ إنساني، التزمت به الدولة الجزائرية فأدت، ووعدت به فوفت، فقانون تجريم الاستعمار الفرنسي جاء ليزيل كل لبس حول الماضي الاستعماري، وليمثل عربون وفاء لدماء الشهداء ولضحايا الاستعمار من زمن الانتفاضات الشعبية إلى زمن الثورة التحريرية المباركة، جرائم غير قابلة للفصل ولو تباعدت أزمنتها فبعد الزمان ليس له اعتبار في ميزان الأوطان، فالجزائريون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم. إن دماء بوزيان وبوبغلة والشيخ الحداد وبوعمامة ومن جاء بعدهم سالت لتروي شجرة الحرية ولتعبِّد الطريق لكل الأجيال التي يجمعها حب الجزائر والاستعداد للتضحية في سبيل الله وفي سبيل الوطن بكل غال ونفيس، فليس بميت من مات دفاعا عن دينه وشرف أمته وسيادة وطنه.

اطَّلعتُ على الوثيقة التي أعدتها لجنة صياغة اقتراح قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر بالمجلس الشعبي الوطني للفترة التشريعية التاسعة، الدورة البرلمانية العادية (2025/2026)، فشعرت بسعادة غامرة لأنها وثيقة تستجيب لأمنية كبيرة، كانت تسكن أعماقنا، كنا نراها ممكنة وكان يراها غيرنا مستحيلة. إن هذا القانون هو ثمرة نضال سياسي وعمل برلماني، اجتمعت فيه إرادة السياسي مع إرادة البرلماني لتُخرج لنا قانونا يثلج الصدر ويفتح بابا ظل موصدا لسنين وهو محاسبة الاستعمار الفرنسي على ما اقترفه من جرائم بشعة في الجزائر، ظن أنها قد طُويت وانتهت، ولم تعُد تشكِّل مطلبا لا شعبيا ولا رسميا في الجزائر بدعوى أن الجزائر الحالية مهتمة بعلاقاتها الراهنة، وهي تتطلع إلى المستقبل ولا تلتفت إلى الماضي. إن الماضي والحاضر والمستقبل شيءٌ واحد في حساب الأمم التي تصل ماضيها بحاضرها لترسم مستقبلها.

جاء في عرض الأسباب الموجبة لهذا القانون أن الاستعمار الفرنسي للجزائر سنة 1830م، انتهاك صارخ لسيادة دولة، كانت تؤدي دورها كسائر دول العالم، وتمارس سلطاتها على المستوى الداخلي والخارجي، وتدير شؤونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية بفعالية. هذه حقيقة مدوَّنة في كتب التاريخ، فقد كانت الجزائر قبل الاستعمار الفرنسي دولة مهابة الجانب،  يهابها القاصي والداني وكانت سيادتها على البحر ترهب العدو المتربِّص وتشجع الصديق المتودِّد، ولكن الاستعمار الفرنسي جعل منها مستعمرة فرنسية، نهب خيراها ونكّل بخيرة أبنائها، ومن ثم فهو يتحمل جريرة أعماله الإجرامية ومطالَبٌ بالتعويض المادي والمعنوي، ليس من باب المقايضة ولكن من باب تكريس مبدأ العدالة التاريخية وصون الذاكرة الوطنية والقصاص لعمليات الإبادة الجماعية والنفي القسري وغيرها من الممارسات التي يجرِّمها القانون الدولي.

وجاء في سياق عرض الأسباب الموجبة لقانون تجريم الاستعمار الفرنسي أيضا، أنّ فرنسا لم تقدِّر للجزائر تضحيات أبنائها الذين دفعت بهم وقودا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولم تقدِّر للجزائر سعيها لفك العزلة عن فرنسا من خلال الاعتراف بالجمهورية الفرنسية الأولى في 20 ماي 1739م بعد أن تخلت عنها الدول الأوروبية، ولم تقدِّر للجزائر المساعدات والقروض الموثَّقة التي منحتها لها، وأدارت ظهرها لهذا الجميل وقابلته بحملة عسكرية مفاجئة كان لها ما بعدها وكان لها آثارها المدمِّرة على كل الأصعدة. إن فرنسا ملزَمة إنسانيا وقانونيا بالاعتراف بجرائمها الاستعمارية في الجزائر، وهي إذ تستجيب لذلك فإن هذا ليس منَّة منها بل واجبا يفرضه عليها القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

إن عمل المؤرخين الجزائريين ينبغي أن يتماهى مع عمل السياسيين والدبلوماسيين والبرلمانيين، ومما يشكل أولوية بالنسبة للمؤرخين في المرحلة الراهنة هو الردُّ العلمي الهادئ على الدعوات النشاز التي يعمل أصحابها على طمس الحقيقة وإلباس الحق بالباطل وتثبيط العزائم وخلط الأوراق، ونشر التأويلات الشاذة التي تستهدف السطو على هذا المكسب التاريخي المتمثل في قانون تجريم الاستعمار الفرنسي بمحاولة جرِّ النخبة إلى نقاشات تاريخية عقيمة وإبعادها عن جوهر القضية ومحاولة تبرير ذلك بأنه من باب تنوُّع الأفكار والآراء.

هناك جرائم إنسانية تشكّل أساسا لقانون تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، فهل يختلف اثنان في أن النفي القسري للجزائريين إلى كاليدونيا الجديدة وغويانا ليس جريمة؟ وأن أعمال النسف والقصف للقرى والمداشر ليس جريمة؟ وأن قتل المدنيين ليس جريمة؟ وأن إقامة الأسلاك الشائكة ليس جريمة؟ وأن التفجيرات النووية في رقان وما خلّفته من آثار مدمرة على الإنسان والبيئة ليس جريمة؟ وأن تعذيب الجزائريين في الغرف المظلمة ليس جريمة؟ وأن نزع فروة رأس العربي بن مهيدي ليس جريمة؟ وأن النهب الممنهج للثروات ليس جريمة؟ وأن إخضاع الجزائريين دون سواهم للقوانين الاستثنائية ليس جريمة؟… هذه جرائم لا تختلف حولها الآراء فهي جرائم لا ينفي عنها الطابع الإجرامي إلا مجرمٌ مرَدَ على الإجرام أو كان بوقا من أبواق الاستعمار.

يعدُّ قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في نظري أكبر مكسب للدولة الجزائرية، وهو قانون لا يسبِّب الحرج لفرنسا وحسب –كما يزعم بعض أشباه المؤرخين- بل يضعها أمام مسؤولياتها التاريخية؛ فالاستعمار ليس جريمة معزولة بل جريمة دولة، فبول أوسارس وموريس بابون وبيجار وغيرهم من رؤوس الإجرام في العهد الاستعماري ارتكبوا ما ارتكبوه من جرائم تحت مظلة الجمهورية الفرنسية، ومن ثم فإن فرنسا تتحمل المسؤولية التاريخية عن ماضيها الاستعماري وما خلّفه من آثار ودمار في حق الجزائر والجزائريين، فهذا أوسارس يعترف في مذكراته التي جعل عنوانها: “شهادتي حول التعذيب” والتي نشرتها الصحافة الفرنسية بأن ما قام به كان من أجل فرنسا، ومما قاله للصحافة الفرنسية: “إنني أعرب عن أسفي، لكن لا يمكنني التعبيرُ عن الندم، أعتقد أنني قمتُ بواجبي الصعب كجندي متورِّط في مهمة قاسية”.

إن الجزائر رغم أنها الضحية وأنها صاحبة الحق فإنها –كما ورد في الوثيقة البرلمانية- لن تتخلى عن سلاستها الدبلوماسية باتخاذ الوسائل القانونية والقضائية لانتزاع حقها وضمان اعتراف فرنسا بماضيها الاستعماري في الجزائر.

مقالات ذات صلة