الرأي

قبلة على رأس مقاوم!

حسين لقرع
  • 778
  • 0

لا أحد أجبر الأسير الصهيوني عومير شيم توف على تقبيل رأس مقاوم قسّامي؛ فقد نال حرّيته في إطار المرحلة الأولى من صفقة تبادل الأسرى، وكان بإمكانه مغادرة القطاع من دون أن يقدّم لأحد كلمة شكر واحدة، أو يصدر أيّ إشارة، لكنّه أبى إلا أن يفاجئ الجميع، سواء الذين حضروا مراسم التسليم أو من تابعها على شاشات التلفزيونات العالمية، بتقبيل رأس مقاوم، عن طيب خاطر، وفي مشهد بدا خلاله سعيدا جدا بانفكاكه من الأسر.

وتعبّر هذه اللقطة عن الكثير من التقدير والامتنان لعناصر “القسام” الذين حافظوا على حياة عومير وغيره من الأسرى الصهاينة، وأحسنوا معاملتهم طبقا لتعاليم ديننا الحنيف في معاملة أسرى الحروب، فلم يتعرّض أحد منهم لأيّ تعذيب أو عنف أو إساءة، ما دفع الكثير منهم، منذ مراسم تسليم الدفعة الأولى منهم في 24 نوفمبر 2023 إلى غاية تسليم الدفعة الأخيرة يوم السبت 22 فيفري 2025، إلى القيام بإشارات تقدير وامتنان ومودّة لآسريهم القساميين، وإلى حدّ الساعة، لم يشك أيّ أسير صهيوني محرّر من تعذيب أو إساءة معاملة في الأنفاق. أليس هذا نصرا أخلاقيّا كبيرا لـ”حماس” يضاف إلى نصرها في ساحة المعركة على هذا الاحتلال الفاشي الوحشي؟

مقابل هذه الصور النّاصعة، لم نسمع أسيرا فلسطينيّا واحدا محرّرا شكر آسريه الصهاينة، أو بادلهم الابتسام والتحية خلال إطلاق سراحه، أو قال إنّهم أحسنوا معاملته داخل السجون.. لقد اشتكوا جميعا من التعذيب المتواصل وسوء المعاملة والضرب المبرّح وانتهاك الأعراض والإذلال والتجويع المنهجي والتنكيل الوحشي بهم بشتى الطرق داخل السجون ولفترات طويلة، خرجوا بعدها هزيلين، مرضى مرهقين بدنيا ونفسيا، وسيحتاج أغلبهم إلى وقت طويل للعلاج والتعافي مما عاشوه داخل سجون النازيين الجدد!

لذلك، حينما يتحدّث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن “الحالة السيئة” للأسرى الذين أطلق سراحهم السبت، والذين سبقوهم، فإنّنا نرى الأمر أقرب ما يكون إلى النكتة السمجة؛ فخلافا لثلاثة أسرى صهاينة بدا عليهم الهزال بسبب منع الاحتلال المساعدات عن سكان غزة في مكان احتجازهم مدّة طويلة، فيما يبدو، فقد كانت صحّة باقي الأسرى المحرّرين في باقي الدفعات، جيّدة، فلماذا كلّ هذا الكذب البواح؟

ما يردّده القادة الأمريكيون هذه الأيام بشأن الأسرى الصهاينة، يعبّر عن تحيّز شديد للاحتلال وتبنّي أعمى لما يسمّيه “المراسم المهينة” خلال عمليات تسليم الأسرى، وغرق مقيت في العاطفة، ولم يقتصر الأمر على هذا الحدّ، بل إن وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، قال على منصة “إكس”، إن “معاملة “حماس” للرهائن، بما في ذلك قتلها الوحشي لعائلة بيباس، توضّح بشكل أكبر همجيتها…”!

لو وضع روبيو العاطفة العمياء جانبا، واحتكم إلى العقل، لأدرك أنّ ما يردّده الاحتلال ويتبنّاه هو، بلا نقاش، غير منطقي بالمرّة؛ فـ”حماس” أسرت أزيد من 251 جندي ومستوطن يوم 7 أكتوبر 2023 لتبادلهم بآلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وليس لتقتلهم أو تعذّبهم.. من يقتل الأسرى بالتعذيب الجهنّمي وإهمالهم طبّيا، هو الاحتلال وليس “حماس”، والوقائع كثيرة، ولكنّ روبيو ورئيسه ترامب وباقي المسؤولين الأمريكيين المنحازين للاحتلال يتعامون عنها بشكل سافر ويتجاهلونها ولا ينتقدونها بتاتا، ويكتفون في كلّ مرة بتبنّي روايات الاحتلال الملفَّقة وبلا نقاش، منذ كذبة قطع رؤوس 40 طفلا وحرقهم في 7 أكتوبر 2023، إلى كذبة قتل طفلة ورضيع من عائلة بيباس، في حين أنّ هناك 17881 ألف طفل فلسطيني فجّر الاحتلال أجسادهم الطريّة بالصواريخ والقنابل خلال 15 شهرا من حرب الإبادة الهمجية، من دون أن نسمع أيّ تنديد من روبيو!

“حماس” لم تفقد إنسانيتها لتقتل الأطفال الأبرياء بلا رحمة ولا هدف، “حماس” تواجه جنود الاحتلال في الميدان وتقتلهم في معارك وجها لوجه، ولا تسمح لها أخلاقها الإسلامية الرفيعة ولا قيّمها الإنسانية النبيلة بقتل أطفال ونساء وعزّل وقعوا في أسرها، ومن يردّد مثل هذا الكلام السّخيف، فقد أساء إلى نفسه وصغّرها، وهو يفعل ذلك من شدّة الغيظ مما يرى من مظاهر عزة وشموخ في غزة التي خرجت من حرب الإبادة منتصرة ظافرة تفرض شروطها على العدوّ وتمرّغ أنفه في التراب.

عومير قبّل رأس مقاوم، فأشعل غضب الصهاينة وعرّابيهم الأمريكيين، لكنّ أكثر ما حزّ في أنفسهم أكثر هو قوله “إنّ عمر شجرة الزيتون هذه أكبر من عمر دولتنا”، وللعلم، فإنّ هذه الشجرة لم تسلم من وحشية الاحتلال، فقام بتقطيعها لأنّ عمرها يفوق القرن، في حين أنّ عمره لا يتجاوز 77 سنة وهو مهدّد بأن لا يكمل عقده الثامن!

مقالات ذات صلة