قبل أن تقطع جهيزة قول كل خطيب
ظاهرة المسارعة المبكرة والكثيفة، خاصة الأسماء الصغرى والمتوسطة لسباق رئاسيات 18 أبريل، هل هي ظاهرة صحية؟ ما حجم هذه المسارعة ووزنها وقافيتها وحظوظها ومطالبها وبرامجها وسبب إقدامها على هذا العمل المواطني الدستوري؟..
أكيدٌ أن الإجابات تختلف باختلاف القناعات والمشارب الفكرية والسياسية.. لكن، بالنظر إلى ما هو عليه، فإن العدد الكبير من الأسماء، ومعظمها أسماء جديدة غير معروفة أو مبهمة سياسيا واجتماعيا وفكريا، يبدو أن رغبتها فقط هي خلق فقاعة إعلامية بإعلانها نية الترشح.. لا أقل ولا أكثر. فالترشح لا يزال ينتظره الكثير من الخطوات ومنها أساسا جمع التوقيعات، إذ إن كثيرا منهم لن يتمكن من ذلك في الوقت المحدد حتى ولو اضطروا إلى شراء التوقيعات بالمال.
مجموعة أخرى، ربما أكثر رصانة، تعرف أنها لن تمرّ، لكنها فقط تريد أن تشوِّش على الخطاب السياسي وتكسر جدار الصمت في خرسانة إسمنت مسلح أغلقت به أرتاج المطالب السياسية والنقابية، في غياب أي تحرُّك حزبي على الأرض لا شعبيا ولا حتى نخبويا. فالاجتماعات قلّت والتظاهرات انقرضت والمطالب خفتت في جو معلّب، تُرك فيه اللعب والصراع الداخلي بين شخصيات أحزاب السلطة لوحدها.. وحلبة مفتوحة على المجاهيل ضمن هذه الكُتل وهذه العُصب حول المراكز القيادية والتمثيلية.
بعض هؤلاء يريد بالتأكيد أن يظهر، أن يقدِّم نفسه للواجهة الإعلامية تمهيدا ربما لانتخابات رئاسية أخرى، فهم يعرفون في داخل أنفسهم أنهم لن يتمكنوا من اجتياز الخطوط الأمامية، لا كأرانب سباق ولا كمعارضة، مع ذلك يلعبون لعبهم لغايات إشهارية تسخينية تحضيرية لاستحقاقات أخرى.
في انتظار أن تقطع جهيزة قول كل خطيب، ويعلن رئيس الجمهورية ترشحه لعهدة أخرى، أو لا يفعل، وهذا مستبعَد، لكون كل المؤشرات تشير إلى أن الرئيس لا يتدخل إلا في الدقائق الأخيرة من المباراة، لكي لا يشوِّش على المرشحين والمقبلين على الترشُّح عزوفهم عن ذلك. فنحن نريد أن نبدو أننا ننظم انتخابات رئاسية تعددية في وقتها دون أي ضغط أو مناورة أو تهميش أو إقصاء، والترشح المسبق للرئيس المنتهية ولايته قد يربك المشاركات ويقلص من حجم المنافسة، التي لن تكون متكافئة قطعا في ظل الانغلاق السياسي الذي دام سنوات وفي غياب وجود معارضة قوية تشتغل في الميدان. فكل ما تبقى من المعارضة أشتات مشتتة مهتمّة بقضاياها التنظيمية والنخبوية، تماما مثل أحزاب السلطة. الفارق فقط، أن أحزاب السلطة في السلطة وأن أحزاب المعارضة تريد أن تصل إلى السلطة بمحاباة رجال السلطة أو التناغم مع خطابهم..
الترشح، أو لنقل الإعلان عن سحب الاستمارة من وزارة الداخلية، ليس مؤشرا صحيا كاملا، إنه مؤشرٌ على التململ السياسي والانسداد الذي لا يمكن أن يساهم في فتح المجال أمام منافسةٍ قوية لم يبق فيها كثيرٌ من الأقوياء الذين على قلتهم لن يغامروا بمشاركة في سباق يرونه محسوما حتى قبل أن يعلن الرئيس عن ترشُّحه من عدمه، فهم شبه متأكدين أن الإعلان سيكون، في نهاية الشوط الإضافي.. لهذا، تراهم إما يحللون أو يتكهنون أو يسكتون، في انتظار فرص لا يريدون أن تضيع توفر لآجال أخرى. فالدينار الأبيض لليوم الأسود، ومن يملك دينارا اليوم، عليه أن يدَّخره إلى يوم الحاجة.. والحاجة إليه ليست اليوم، في نظر بعض هؤلاء على الأقل، الذين اكتفوا بتصاريح إعلامية إما متشائمة وإما تحليلية استشرافية في شكل برنامج غير انتخابي.