“قتلة الناس جميعا” في الفلوجة
التحالف العالمي المتوثب اليوم لقتل الناس جميعا في مشارق بلاد المسلمين ومغاربها، يكون قد كسب على الأقل المعركة الإعلامية، الأخطر من القنابل، التي تسمح له اليوم بالشروع في ارتكاب المذابح في الفلوجة دون خشية تُذكر من سخط شعبي عربي أو إسلامي أو عالمي، بعد أن أقنع كثيرا من النخب النشطة من قادة الرأي وكثيرا من العامة أنه إنما يمُنُّ على العرب والمسلمين بتحرير أبناء جلدتهم وملَّتهم من كيان إرهابي.
غير أن المسلم لا يحتاج لمن يصف له الجريمة، ويصنِّف له المجرم، وقد تكفل القرآن بمنحه ميزان تقدير جريمة قتل النفس البشرية في الآية 32 من المائدة ليعلم علم اليقين “… أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا…”، ولأن تنظيم “داعش” قد تبنى أكثر من مرة عمليات قتل بالمفخَّخات لمدنيين أبرياء، فقد حُقَّ فيه الجزءُ الأول من الآية كيفما كانت حججُه ومبرراتُه، كما حُقَّ التوصيفُ في ما تقترفه بقيّة الأطراف المشارِكة في القتل في سورية والعراق: حكومات، وميليشيات، ودول عظمى واقليمية، فلا فرق بين مفخخات “داعش” وبراميل الأسد، وصواريخ الحشد الشيعي، والقصف السجادي لطيران الروس والأمريكان.
مصطلح “الإرهاب” الذي تُقصف به يومياً عقولُنا هو مصطلحٌ كاذب مضلِّل مخادِع، خاصة وأن الطرف الذي تفرّد بحق التوصيف والتصنيف هو الطرفُ الذي في ذمته دماء مئات الملايين من الضحايا، قضوا في حروب إبادة شاملة في العهد الاستعماري، وفي الحروب الإمبراطورية التي لم تتوقف منذ نهاية الحربين الكونيتين قد اختصّت الفضاء العربي الإسلامي تحديدا تواصل فيها جرائم التحالف الجديد في الشام وبلاد الرافدين جرائم الكيان الصهيوني منذ سبعين عاما.
بنص الآية التي يحتكم إليها المسلم في تجريم قتل النفس البشرية، فإن كثيرا من قادة الدول وزعماء التنظيمات السنية والشيعية، هم قتلة بلا شكّ، قد قتلوا الناس جميعا بعدد الأرواح البريئة التي سفكوا دماءها، ومعهم شركاء كثر من قادة الدول، وهيئات أممية وإقليمية، وشبكات دعم مالية، ومؤسّسات منتخَبة، ومنظومات إعلامية، وفِرق من المثقفين المارينز، ومشايخ الفتن، وقد يشترك معهم في الجريمة كثيرٌ من العامّة بالانتصار لهذا القاتل أو ذاك، وربّما نكون شركاء بسكوتنا الآثم عن الجريمة، أو القبول بما يُسوَّق لنا من تبريرات بمسمّيات ما أنزل الله بها من سلطان.
لأجل ذلك، فإن الوقوف اليوم على الحياد في الوقت الذي يتحرك حلفٌ غير مسبوق لقتل من لم يقتله الحصار والجوع في الفلوجة، بحجَّة استئصال ألف إرهابي من “داعش” هو مشاركة في الجريمة، ليس لأن الضحايا عرب ـ سُنَّة، بل لأنهم من “الناس” الذين يعدل قتل الواحد منهم قتل الناس جميعا، كما أن قتل “داعش” للمدنيين الأبرياء في بغداد وطرطوس قتلٌ للناس جميعا بعدد من فجّرته المفخخات.. هذا توصيف أقومُ وأعدل من مصطلح “الإرهاب” الذي يتخذه اليوم الظلمة مطيَّة لهدم بنيان الله تحت أنقاض بنيان البشر.