-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

قراءة في قرار إلزامية التكوين في اللغة الإنجليزية للطلبة والباحثين

محمد بوالروايح
  • 2886
  • 0
قراءة في قرار إلزامية التكوين في اللغة الإنجليزية للطلبة والباحثين

يستفيد الباحثون والإداريون العاملون بالجامعات الجزائرية، من تربصات قصيرة وطويلة المدى، وتحدد التعليمات الوزارية الخاصة بهذه التربصات كيفيات وشروط الاستفادة منها وفق معايير تفاضلية تحددها المجالس العلمية والإدارية. غير أن هذه الاستفادة لا تُبنى عليها في كثير من الأحيان فائدة ترتجى لا للجامعة ولا للمجتمع، ولذلك كان من الضروري إدخال إصلاحات على نظام التربصات حتى لا تتحول إلى ما يشبه الريع، يستفيد منه من يستحقه ومن لا يستحقه.

كان من الضروري أيضا تشديد شروط الاستفادة من هذه التربصات وخاصة في ظل التحديات الراهنة التي تفرض على الجامعة الجزائرية الانتقال من الأحادية أو الثنائية اللغوية إلى التعددية اللغوية، والتركيز في ذلك على اللغة الإنجليزية كأمر واقع لا نملك حياله خيارا، لأن معظم المجلات العلمية العالمية ذات معامل التأثير العالي تعطي الأولوية للبحوث باللغة الإنجليزية لكونها لغة البحث الأولى من دون منازع والتي يفسر  عدم التعاطي معها وعدم التمكن فيها بـ”الأمية العلمية” التي لا تذهب بصاحبها بعيدا في البحث العلمي.

يعدُّ القرار الصادر عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي رقم 255 المؤرَّخ في 25 فيفري 2025 والمتضمّن لزامية التكوين في اللغة الإنجليزية والتدريس بها بعد العودة من التربص، قرارا تاريخيا يستحق التثمين ويُحسب للدولة الجزائرية، وهو قرار انتظرناه طويلا وفكرت فيه شخصيا لما كنت نائبا لمدير جامعة الأمير عبد القادر مكلفا بالعلاقات الخارجية والتنشيط والتظاهرات العلمية، وقد كان لي مخطط ورؤية حول هذا المشروع واستعداد لوضعه موضع التنفيذ، لكن ما حلمنا بتحققه لم يتحقق في زماننا، ولكن المهم أنه تحقق بعدنا، فالشخصيات متغيرة والمؤسسات ثابتة.

إن قرار إلزامية التكوين في اللغة الإنجليزية والتدريس بها بعد العودة من التربص يأتي في ظل واقع عاشته الجامعة الجزائرية، انعدمت فيه البحوث باللغة الإنجليزية أو كادت، وهيمن فيه أحادي اللغة على مجلات النشر بما هو مجترٌّ ومكرَّر ولا يقدِّم إضافة لا في مجاله ولا في غير مجاله، يعجز فيها عن ترجمة ملخَّص من كلمات معدودات من العربية إلى الإنجليزية، أو  يقحم نفسه في الترجمة في فنٍّ لا يحسن أدنى قواعده، ولا يعرف أقل أحكامه فيخرج ترجمة مهلهلة لا يستقيم أولها ولا آخرها، وقد يستعين بمحرك البحث المشهور “غوغل” في ترجمة القليل ويعجز عن كثير أو يرتكب في ترجمتها أخطاء لا تغفرها القواميس. وقد وقفت شخصيا على أمثلة كثيرة من هذا القبيل كأن تقرأ ملخصا باللغة الإنجليزية لا يمكنك أن تنسبه في النهاية إلى أيّ لغة، لأنه هجينٌ لغوي غير متماسك، وللأسف أن هذه الملخصات تتضمنها موضوعات محكمة، ولا أدري كيف غفل المحكّمون عن هذا الإسفاف اللغوي والترجمي الذي يضرّ بمصداقية المجلة وبمصداقية الجهة العلمية التي أصدرتها.

إن كثيرا من مجلاتنا لو عرضناها على محك التدقيق اللغوي فيما يتعلق بالملخصات باللغة الأجنبية لوجدنا عجبا عجابا ولسحباه أو أذنا بسحبه حفظا لمصداقيتنا أو حفظا لماء الوجه على الأقل.

إن قرار إلزامية التكوين في اللغة الإنجليزية والتدريس بها بعد العودة من التربص يأتي ليصحح بعض المسارات التي أعاقت الجامعة الجزائرية عن التطور مع أنها تملك كل الإمكانات، وجعلها تتذيل التصنيف العالمي للجامعات مع أنها تمتلك كل المؤهلات.

إن ما ينقص الجامعة الجزائرية هو سياسة تكوينية تنفتح على اللغة الإنجليزية وتتحرر تدريجيا من اللغة الفرنسية التي لم تكن ولن تكون لغة البحث العلمي بشهادة أهلها؛ فالفرنسية متأخرة في الترتيب العالمي للغات العالمية، والفرنسيون الرسميون يقدِّمون حوافز مالية لمواطنيهم لتعلُّم اللغة الإنجليزية، ويضاف إلى ذلك أن نسبة ما يُنشر من البحوث باللغة الفرنسية في المجلات العلمية العالمية أقل بكثير مما ينشر باللغة الإنجليزية، ويقتصر وجود اللغة الفرنسية في العالم على فرنسا الأم وبعض مستعمراتها.

ما ينقص الجامعة الجزائرية هو سياسة تكوينية تنفتح على اللغة الإنجليزية وتتحرر تدريجيا من اللغة الفرنسية التي لم تكن ولن تكون لغة البحث العلمي بشهادة أهلها؛ فالفرنسية متأخرة في الترتيب العالمي للغات العالمية، والفرنسيون الرسميون يقدِّمون حوافز مالية لمواطنيهم لتعلُّم اللغة الإنجليزية، ويضاف إلى ذلك أن نسبة ما يُنشر من البحوث باللغة الفرنسية في المجلات العلمية العالمية أقل بكثير مما ينشر باللغة الإنجليزية.

كل هذا يجعل التوجه إلى اللغة الإنجليزية ضرورة ملحّة، تحتِّم على النخبة في الجزائر تقديم مساهماتها في هذا المجال وتحتّم على النخبة الجامعية على وجه الخصوص بذل ما في وسعها لإنجاح مشروع تعميم اللغة الإنجليزية في المدارس والجامعات وتأهيل المجلات العلمية أو إعادة هيكلتها إن اقتضى الأمر من أجل أن تتحول من الأحادية اللغوية ومن هيمنة اللغة الفرنسية إلى تهيئة الأرضية لمشاريع التكوين في اللغة الإنجليزية التي بادرت بها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وأن تعمل هيئات التحرير في المجلات العلمية على إخراج عدد مزدوج عربي- إنجليزي كما هو شأن بعض المجلات العلمية المحكّمة التي كان لنا شرف الكتابة فيها كمجلة “الأديان” التي يصدرها المركز الدولي لحوار الأديان بالدوحة القطرية.

إن قرار إلزامية التكوين في اللغة الإنجليزية والتدريس بها بعد العودة من التربص هو قرارٌ تاريخي، ومن مبرراته وأهدافه:

أولا: ضعف رصيد الباحثين الجزائريين في اللغة الإنجليزية

إن الضعف هنا لا يشمل كل الباحثين الجزائريين، ولكنه يشمل أغلبهم، فنسبةُ ما ينشر في المجلات العلمية المحكّمة في الكليات والجامعات الجزائرية لا يكاد يُذكر، ولهذه المشكلة أسباب كثيرة، منها هيمنة اللغة الفرنسية على الجامعات والإدارات والنظر إلى الفرنسية في فترة من الفترات على أنها “غنيمة حرب”، ثم حدث تغيرٌ في التوجه في السنوات الأخيرة انحيازا إلى الإجماع العالمي على اللغة الإنجليزية لكونها لغة العلم ولغة البحث من دون منازع.

ثانيا: التركيز في الإنجليزية على اللغة القواعدية وإهمال اللغة البحثية:

أقصد باللغة القواعدية اللغة الإنجليزية التي تستحوذ فيها برامج تعليم قواعد اللغة الإنجليزية على حصة الأسد، وهو ما يُخرج باحثا ملمًّا بقواعد اللغة الإنجليزية وربما محيطا بدقائقها ولطائفها ولكنه عاجز في النهاية عن الكتابة بها لمجلة وطنية أو عالمية لأنه يفتقد إلى التكوين في اللغة البحثية التي هي الأساس.

ثالثا: الجزائر ليست الاستثناء في عالم أعلن القطيعة مع الفرنسية واختار الإنجليزية:

لا يمكن للجزائر في ظل  التوجه العالمي نحو الإنجليزية أن تشكل الاستثناء، كما أنه لا يمكن للجامعة الجزائرية -وهي قاطرة المجتمع الجزائري- أن تشذّ عن هذا الاتجاه.

وفي هذا السياق تشتد الحاجة إلى هذا الاستحقاق وهو إعطاء اللغة الإنجليزية المكانة التي تستحقها في مجال البحث العلمي.

رابعا: قرار تاريخي ولكنه يحتاج إلى وقت:

إن إلزامية التكوين في اللغة الإنجليزية والتدريس بها بعد العودة من التربص قرارٌ تاريخي، ولكن رؤية ثمرته وآثاره في الجامعة الجزائرية تحتاج إلى وقت، لأن نسبة لا يستهان بها ممن سيخضعون للتكوين في اللغة الإنجليزية لن يتمكّنوا منها في المدة التي مُنحت لهم ومن ثم لن يتحولوا بالكيفية المطلوبة من التكوين إلى التدريس وسنكون أمام مشكلة حقيقية وهي مشكلة تكوين المكوّن وعدم جاهزيته لتكوين غيره، وهذا قد يربك عملية التحول اللغوي التي ننشدها.

خامسا: أطروحات ومذكرات تخرج على طريقة القص واللصق:

هذه حقيقة لا يمكن إنكارها، وقد ازدادت في ظل تطور تكنولوجيات الإعلام والاتصال، إذ يلجأ بعض الباحثين والطلبة إلى وسيلة القص واللصق لربح الوقت وتعجيل المناقشة واستلام الشهادة والتطلع إلى الأستاذية لتحسين الوضعية المالية والاجتماعية، ولا  يحتاج المحكّم المحنَّك إلى جهد كبير ليكتشف هذه العملية فيرفض عددا لا بأس من الأطروحات والمذكرات قبل أن تفلت من الرقابة العلمية.

سادسا: تحسين المرئية الدولية لمؤسسات التعليم العالي والبحوث المنجَزة فيها:

إن المنشورات العلمية باللغة الإنجليزية ستحسِّن لا محالة من المرئية الدولية لمؤسسات التعليم العالي وللبحوث التي ينجزها الباحثون؛ فكلما ازدادت هذه المرئية، ازدادت معها المكانة العلمية للباحثين وللمؤسسات التي ينتمون إليها. إن كثيرا من المؤسسات الجامعية لا توفر مرئية دولية ولو بالحد الأدنى لأنها تخصص مواقعها  لاستقبالات المسؤولين ولصورهم التذكارية وغيرها مما لا يشكل أولوية، وتتخلى في المقابل عما هو أهمّ وهو الإنجازات العلمية للباحثين بالكيفية التي تحدّثت عنها وليس بالكيفية التي اعتدنا عليها في بعض الجامعات التي تركز على العدد وتغفل عن الكيف ظنا من القائمين عليها بأن كثرة العرض ستفي بالغرض.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!