قراء الشروق هواء يتنفسه الكاتب
بين العمق في التحليل والبساطة في الرد.. وبين القسوة في النقد وخفة الظل في التعليق تلفت انتباهي آلاف التعليقات من القراء الحريصين على التواصل مع أخبار وموضوعات وزوايا الرأي على صفحات الشروق.. والمثير أن القارئ الجزائري لا يترك شاردة ولا واردة إلا وعطف عليها في قراءاته وتعليقاته سواء كان المقال الرياضي متخصصا في كرة القدم أو مرتبطا بالشأن السياسي سواء كان محليا أو عالميا.. والقراء لا يفرقون بين كاتب جزائري وأخر عربي وبين خبير سياسي وأخر رياضي.
وقد حرصت خلال الأيام الماضية على الاعتذار على صفحات الشروق لعشاق ميسي وبرشلونة بسبب خطأ ورد في موضوع الأرجنتين بسبب الكتابة الباكرة والتسرع.. ولكن الاعتذار كان ردا على سيول من التعليقات الاستنكارية التي تقرأ كل صغيرة وكبيرة وتكتشف أدق الأخطاء وتصححها في لمح البصر.
ولا ينجو أحد من أقلام القراء الجزائريين الحادة وكان للزميل حفيظ دراجي نصيب منها هذا الأسبوع بعد مقاله عن وزيرين للرياضة والشباب.. وقد نالني نصيب وافر من النقد في موضوعات وأراء كثيرة منذ حظيت في نوفمبر الماضي بشرف الكتابة على صفحات الشروق.. وأجدها فرصة لطرح عدد من التعليقات المثيرة للجدل بين السلب والإيجاب دون التطرق لأسماء القراء منعا للحرج.
أحدهم لا يُكن لي مشاعر طيبة دون أن أعلم السبب.. ولعله ليس جزائريا وربما كان مدسوسا فقد كتب “ما لك شأن بنا كجزائريين.. وتفرغ لنقد بلدك مصر”.. ولو كلف ذلك القارئ نفسه مشقة البحث لدقيقة واحدة في ملفي الشخصي لوجدني أكثر النقاد الرياضيين في العالم وليس في مصر نقدا للأوضاع المنحرفة في مصر سواء قبل أو بعد الانقلاب.
قارئ ثان كتب من كندا معاتبا لمن يذكرني بالخير من القراء الجزائريين قائلا “لماذا تمدحونه؟ هل نسيتم موقفه من الهجوم على الجزائر في أزمتها مع مصر؟ وأضاف على سبيل إبراء الذمة.. على ما أعتقد”.. وللحق فقد أمطره الأعزاء من قراء الشروق هجوما وتقريعا لتذكيره بما فعلته على شاشات وصفحات مصرية دفاعا عن الجزائر وكشفا للمؤامرة المصرية.. بل أن عددا من القراء أرسلوا له روابط من اليوتيوب التي تحمل كلمات وبرامج لي تكشف موقفي بالصوت والصورة.
وقارئ ثالث من فرنسا غاضب من إدارة الشروق لأنها تفتح المجال أمامي لتحليل منتخبات كأس العالم يوميا دون أن تمنح نفس الفرصة لنجوم الجزائر الكبار أمثال بلماضي أو بن عربية.. ولم أجد سببا لهذه المقارنة لأن النجمين الرائعين بلماضي وبن عربية لم يعملا بالصحافة يوما ومثل ذلك العمل يحتاج صحفيا محترفا فقط.
أكبر قدر من التعليقات الغاضبة أو الاختلاف في الرأي كان عقب مقالتي التي نشرت في الأسبوع الرابع من أبريل الماضي تحت عنوان (قبل 50 يوما من المونديال.. اللقب للألمان).. وانهالت أسهم النقد الجارحة أحيانا والمسمومة أحيانا ممن يختلفون معي في الرأي.. ووصفني بعضهم بصفات قبيحة ونعتوني بألفاظ مؤلمة لمجرد اختلاف في وجهات النظر، علما أنني حرصت في تلك المقالة الكشف عن ارتفاع احتمالات الخطأ في التوقعات القائمة على اجتهادات شخصية.. وكان المتعصبون للمنتخب الأخضر غاضبين للغاية لأنني توقعت خروج منتخب الجزائر من الدور الأول للمجموعة.. رغم أن عددا من القراء هاجمني بشراسة ذات يوم عندما طالبت المدير الفني خاليلوزيتش بمزيد من المباريات الودية ليتمكن الأخضر من عبور الدور الأول بالمونديال.. وكتبوا وقتئذ أن عبور الدور الأول أمر مستحيل ومجرد إشارتي لذلك تدخل في إطار النفاق للجزائر.
سبحان الله.. أكتب محفزا لاجتياز الدور الأول فيتهموني بالنفاق.. وأكتب متوقعا خروج منتخب الجزائر من الدور الأول فيتهموني بالغباء والكراهية والتسرع وعدم الوعي.
لكن أطرف التعليقات كان لقارئة اعتذرت عن ذكر اسمها أولا ثم أكملت بالاعتذار عن القدر الضخم من الإساءات منها لشخصي عندما كانت تتابعني على الشاشات المصرية قبل واقعة مصر والجزائر.. واكتشفت بعدها أنني لا أستحق سبابها ولعناتها ولم تجد وسيلة لتقديم الاعتذار حتى فوجئت بصورتي في الشروق، وانتهزت الفرصة لتعتذر عن خطأ ارتكبته قبل أربعة أعوام.
القراء هم الهواء الذي يتنفسه الكاتب.. ولا يوجد على ظهر العالم من يتنفس هواء نقيا باستمرار.. وكذلك الكاتب لا يوجد من يجد تقديرا ومديحا واتفاقا باستمرار من قرائه.
ولكنهم يظلون هواءه الذي لا يعيش بدونه.