قرض حسن لتشغيل عقول الشباب
بعد أن جربنا وفشلنا في دعم تشغيل الشباب بمال ربوي أدخلهم في حرب مع الله يحسن بنا أن نختبر جدوى تشغيل عقول الشباب بالقرض الحسن، لأن الثروة التي لا تنضب تنتظرنا في أدمغة لم نشغلها بعد.
ما أنفق حتى الآن على برامج ما يسمى بتشغيل الشباب كان يكفي لخلق مئات الألوف من مناصب الشغل الدائمة في حقول الإنتاج المعطلة، لن أشغل عقل القارئ بإحصائيات أعلم أنها كاذبة خاطئة، ولو فعلت لكنت اعتمدت عملة “الخروف الذهبي” التي قدمت بها الأسبوع الماضي ميزانية دولة بلا راعي لرعية بلا دولة، بما يعدلها من الناطق والصامت من الثروة.
كهل بيروقراطي يغتال مقاولا شابا
الشباب المعني ببرامج دعم التشغيل يعلم أكثر من غيره، أن الحكومة كانت جد سخية من جهة الأرقام المعلنة تباعا، سواء من برامج تشغيل الشباب، أو القروض الممنوحة لتأسيس المؤسسات الصغيرة، لكنه يعلم أنها في الغالب كانت محض إهدار للمال العام في الإنفاق على مناصب شغل بلا عمل أو إنتاج، هي أقرب للصدقة منها لأجرة تكافئ عرق الجبين، أو في هدر مئات المليارات في شكل قروض ربوية كان المستفيد الأول والأخير منها، الرهط من المصنعين الأجانب ووكلائهم من جماعة “الاستيراد والاستيراد”.
وحتى مع التسليم بتوفر حسن النوايا، فإن معظم البرامج قد طرحت على عجل من باب استباق غضب الشباب، وصرفه عن الانخراط في شغب الشوارع، ثم في أتون حرائق الربيع العربي، فلم تخضع لأية دراسة جدوى مسبقة، تأخذ بعين الاعتبار مؤهلات الشباب العلمية والتقنية أو الحرفية، ولا حاجات الاقتصاد الوطني الماسة، لقاعدة كثيفة من المقاولات المناولة، ولا احتسب المناخ البيروقراطي القاتل، الذي أذل وأجهد، بل ودفع إلى الإفلاس بمؤسسات عمومية وخاصة لم تستوعب قواعد اللعبة، بدخول البيروقراطية كشريك حقيقي في الريع عبر منظومة الرشوة.
آلاف المؤسسات الشبابية التي أنشئت تحت عباءة الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب “أونساج” أفلست قبل حلول موعد تسديد الأقساط الأولى من القروض، وبيعت مقتنياتها في المزاد العلني بأثمان بخسة، ليعود أصحابها إلى طاولة السجائر، الأكثر نجاعة وأمانا.
تجنيد الشباب لحرب مع الله
كانت هذه بعض زوايا لافتة لمن كان يريد تقييم برامج تشغيل الشباب، سواء في الإعلام، أو الأحزاب، أو مؤسسات الدولة المعنية، وكنت سأضيف زاوية أخرى أكثر غرابة، مع إصرار الحكومة على حماية مبدأ القرض الربوي، حتى لو كان الـ1 % من الفوائد المعتمدة لا يغطي ثلث مما ستخسره البنوك من تبعات التضخم، لكن الدولة أصرت على استدراج الشباب إلى التعامل بالقرض الربوي، الذي كان قد ثبط عزيمة عشرات الألوف من الشباب المسلم عن المشاركة في مشروع كان يعتقد انه قد “أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ” ليزج بهم في حرب مع الله، مع من يأكلون الربا فلا يقومون “إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ”
وفي الحالة التي تعنينا، فإن طرفي الربا من شباب الأمة وشيوخ الدولة، هم في المس الشيطاني سواء، فلا الشباب نفعته القروض في الخروج من الهامش، ولا الدولة أفلحت في صرف الشباب عن المشاغبة الدورية، فضلا عن تسفل التجربة من الناحية الاقتصادية الصرفة، وخلق جيل قد تذوق عسيلة المال بلا جهد، والرفاهية الطارئة بلا ثمن من عرق، حتى أنه لن يقبل مستقبلا بعد الإفلاس، الدخول في تجربة العمل المنتج كأجير، بعد أن شبه له أنه بات من أرباب المال والأعمال.
احتلاب ثروة من جيفة الديانصورات
بقي أن نستعرض الوجه الآخر من هذه العملة الفاسدة المتداولة بين رعاة الدولة والمواطن من الرعية، لأن البلد لا يواجه فقط مشكلة تشغيل شباب عاطل عن العمل، في سوق عمل أحكمت ارتاجها الرشوة والمحسوبية، وإلا كان الأمر هينا، في بلد يعيش بحبوحة مالية تكفي لتشغيل أربعة أجيال قادمة، بل نحن أحوج ما نكون لسياسة رشيدة تهتم بدعم تشغيل عقول الشباب، بل نحتاج إلى إعادة برمجة عقول ثلاثة أجيال ولدت وعاشت في رعاية الريع النفطي، ثم إعادة تشغيلها بعد تثبيت قيمة العمل المنتج في كل خلية عصبية لم يصبها العطل والزمانة، وتنصيب برمجيات القدرة على التكيف مع عالم شديد الحركة، البقاء فيه للأذكى والأكفأ، وليس بالضرورة للأقوى أو الأغنى، خاصة عندما يكون مصدر قوته وغناه من مخلفات جيفة حيتان وأسماك نفقت منذ 160 مليون سنة، زمن هيمنة الديناصورات، كما تنبئنا الدراسات حول تشكل المحروقات حين كانت جغرافية الجزيرة العربية، والجزائر، وألاسكا، وما بين الأمريكيتين، كانت عائما تحت المحيطات والبحار، تحضر لهذ الزمن حاجته من الطاقة النافقة.
فالعالم الذي يتقدم من حولنا ويتنافس على المقام المحمود، وموطئ القدم تحت الشمس، اكتشف أن منجم الثروة الأبدية المتجددة لم يعد في باطن الأرض، ولا في أديمها، أو تحت قيعان محيطاتها، بل دحيت خاماته النفيسة في علبة عظمية سعتها عند الإنسان الحديث تقدر بـ 1175 سم مكعب، أقل قليلا من سعة قنينة كوكاكولا العائلية، هي التي ميزته عن الأورانج أوتون والشمبانزي بجمجمة تسع لـ 275 سم مكعب، وهو الفارق الذي صنع الفرق.
جبل من ذهب لأدمغة عصافير
أخشى، وأنا أذكر بهذه الأحجام أن يتسرع بعضهم إلى تصنيفنا على قدر سعة جماجمنا وما نشغل من خلايا أدمغتنا، وهو قليل بلا ريب، قد لا يزيد عن سدس السعة، لنكون أفضل بقليل من الصنف الأدنى من البدائيات، ليس لقصور في الفطرة والجبلة، بل لتقصير ذاتي عند تشغيل الأداة، وتحريك الآلة كما أمرنا به منذ أن رددنا من أحسن تقويم ساعة الخلق إلى أسفل سافلين ساعة التكليف.
ورد في أحد متون الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر وهو يتحدث عن آخر الزمان، أخبر عن “انحسار الفرات عن جبل من ذهب” وحذر المسلمين من الاقتراب منه، وقد انحسرت أودية صحاري العرب، من وادي ميزاب غربا، إلى دجلة والفرات شرقا عن جبال من الذهب، في ما نستخرجه من محروقات من باطن الأرض، وقد غَيرنا ما يصلنا من ريعها إلى كيانات عاشبة مجترة، قد ربطت مصيرها بالمرعى، وليس لها ما لبهيمة الأنعام من عذر.
في المتوسط المعلوم، لم يمنح الياباني أو الكوري الجنوبي سعة فوق 1200 سم مكعب، مثله مثل نظيره في الخلق من الجزائر، وعند الوزن لا يزيد وزن الدماغ عند الذكور هنا وهنالك عن 1175 غرام، وليعذرني الإناث إذا كان الخالق منحهن 995 غرام في اليابان كما في الجزائر (وهو تصديق بيولوجي للحديث: “النساء قليلات عقل”)، ليكون رصيد الزوجين 1076 غرام، هو وزن خام الثروة التي لا تنضب، متى شغل لخدمتها أدوات السمع والبصر والفؤاد، وشحنت بمعارف العصر بلا انقطاع من المهد إلى اللحد، كما فعل الغربيون من قبل، ويفعل الأسيويون اليوم.
الأطنان الـ 9 التي صنعت الفارق
كنت قد غامرت الأسبوع الماضي، من باب التحريض على التخلص من العملة الورقية، غامرت باقتراح عملة بديلة للدولار النافق من الناطق والصامت من الثروة، وسوف أجازف اليوم باستشراف اليوم الذي تنتقل فيه البشرية الحديثة من حساب ثروة الشعوب والأمم بالأدوات المخادعة الكاذبة التي يحسب بها الدخل القومي الخام والداخلي (PIB/PNB)، إلى حسابهما بمقياسين جديدين: ثروة خام، وثروة صافية. أما الثروة الخام فهي ما نحصيه من تعداد السكان مضروبا في معدل وزن دماغي الزوج من البشر1076غ، فتكون ثروة البشرية بعد أن بلغ تعداد سكانها 7 مليار نسمة: 7532000 طن فقط من المادة الرمادية، أما الثروة الصافية منها فتحسب وفق منسوب تعبئة وتشغيل الأدمغة المتفاوت بين الأمم حسب اجتهادها في التعليم، وفي تشغيل الأدمغة بدل العضلات، وليس عندي شك أن السلف الصالح، الذي لم يكن يمتلك سوى هذه الثروة في صحرائه القاحلة المجدبة قبل تفجر ينابيع النفط، إنما يكون قد شغلها إلى أقصى الحدود، وإلا ما كان الفتى القرشي خالد بن الوليد، الماجن المجهول الذكر قبل أن يشرح صدره الإسلام، يتحول في بحر أعوام إلى جنرال فذ يهزم ويمتهن جنرالات قوتين عظميين، ولك أن تقيس عليه، لتعلم أن العقول التي أنشأت واحدة من أعظم الحضارات في زمن قياسي، لم يكن يزيد وزن أدمغة الثمانية آلاف من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم عن 9 أطنان، لم تكن لتصنع الفارق لو لم تعبأ فيها وتشغل كل خلية عصبية.
ثروتنا الخام اليوم من الـ 36 مليون جزائري تساوي 38736 طن من المادة الرمادية، الخاملة المتكاسلة في الغالب، ما يعادل 4304 مرة ثروة السلف الصالح التي صنعت لنا حضارتنا العربية الإسلامية، فما بالك لو قدرت الثروة الخام لمليار وثلث المليار من مسلمي الخلف الطالح، التي تزيد عن 1400000 طن من المادة الدماغية التي لا نرى لها أثرا سوى إثر التفجيرات الانتحارية، وقد اختلطت بدماء وأدمغة الضحايا من أبناء نفس الملة.
مفتاح “ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ”
تفيدنا العلوم الطبيعية الحديثة، أن هذا الكلغ من المادة الرمادية قد وزع مخزونه بين أربعة مراكز نفسية حسية: هي مركز الإبصار، ومركز السمع، ومركز الشم أو التذوق، وأخيرا مركز الأحاسيس عن طريق اللمس والألم. وهي نوافذنا ومسالكنا لحصاد المعرفة الخام، قبل ان تتولاها مراكز متخصصة في الإدراك والتحليل والغربلة والتمحيص ثم التخزين قبل إنتاج القيمة المعرفية المضافة، بـ “ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ”
هذا ما ينبغي أن نقتص له من المائتي مليار دولار المكتنزة عند الصيارفة اليهود قرضا حسنا بلا ربا، يصرف لتشغيل هذا الكلغ المعطل، من الثروة الوحيدة التي تتضاعف كلما تضاعف استهلاك البشر لها بكل ما أوتوا من شراهة، هي هنا، وعند جميع الشعوب والثقافات، والممل والنحل، صفة محمودة، هي التي تصنع الفارق بين الأمم.