قرّرنا!
ليس هناك أكثر دفعا للناس نحو اليأس من الوعود الكاذبة. أَفْضَل للمسؤول ألا يعِد بشيء من أن يعِد بأشياء ويخلف وعده، وأَفْضَل للمواطن أن يعيش بلا وعود مطلقا، متكلا على الله وعلى نفسه، على أن يتشبَّث بوعود وآجال يكاد يعرف مسبقا أنها لن تُحتَرم.
صحيحٌ أن هناك من المواطنين من ضاقت به الدنيا إلى درجة أن أصبح يفضل التعلق بوعد كاذب على أن ينهار تماما، وصحيح أن السياسة بالوعود الكاذبة أصبحت من المسائل المتعارف عليها في التسيير إلى درجة أن كاد المواطن يعتبرها مرحلة لا بد منها لنيل بعض حقوقه، إلا أن هذا ينبغي أن يتغير إذا أردنا إعادة الأمل للناس.
ما الذي يمنع من التوقف عن إطلاق الوعود الفضفاضة في جميع المجالات، كقولنا: “في الشهور القليلة القادمة” سيسكن هؤلاء أو هؤلاء، أو”قبل نهاية هذه السنة” سننجز هذه المدرسة أو هذا المستوصف، و”في القريب العاجل” سيتم تعبيد الطريق أو إيصال الغاز والكهرباء لهذا الحي أو ذاك، أو قبل هذا الشهر أو هذا الموعد السياسي سننظر في هذا الأمر أو ذاك؟ ما الذي يمنع أن نُلزِم كل مسؤول بأن يتحدث بتواريخ مضبوطة أو ألا يتحدث تماما إذا كان غير قادر على الالتزام بما يقول؟ بل ما الذي يمنع أن نُحاسب كل مَن وَعَد وأخلف وعده من المسؤولين حتى يتوقفوا عن هذا التقليد السيئ في التسيير.. ولنَرَ كم سيبقى منهم من غير عقاب؟
أليس الأجدر بنا أن نعود إلى زمن الفعل الماضي الذي تُلخِّصه عبارة: “قررنا”، أفضل من البقاء ضمن سياسة التسويف التي لم تعد تعرف الحدود؟
لقد بلغت الدقة في التسيير لدى الأمم المتقدمة درجة عالية حتى أصبحت مُدد إنجاز المباني الضخمة تُحسب لديها بالساعات وليس بالأيام والأسابيع، كما بلغت دقة دراسات الجدوى مستوى أصبح يَمنع كل خسارة أو إفلاس إلا ضمن الظروف القاهرة. وزادت أساليب الاستشراف وبناء السيناريوهات من القدرة على التحكم في مختلف السياسات العامة وفي مختلف المجالات حتى إن دولة مثل تركيا أصبحت قادرة على معرفة مكانتها الإقليمية خلال عشر السنوات القادمة، وقوة كبيرة مثل الولايات المتحدة أصبحت تضمن تفوقها على العالم عسكريا في المدى المتوسط (10- 15 سنة)، وقس على ذلك بقية الشعوب والأمم…
فهل سنبقى نحن ضمن منهجية الوعود السابقة لأوانها، المولّدة لليأس؟ أم إننا سنقول: كفى، لقد أدركنا الحل وعرفنا الطريق وانطلقنا، وقلنا وداعا للتسويف… لأننا قررنا؟