قصة أسطول الحرية 3.. الأسرار والخبايا
يندرج “أسطول الحرية 03” ضمن التطوّر النّوعي لإستراتيجية توسيع التضامن العالمي الشعبي والرسمي المتزايد مع القضية الفلسطينية، بعد أن ابتكر الشرفاء والأحرار في العالم فكرة كسر الحصار البحري عن قطاع غزة المحاصر حصارا وحشيا وظالما منذ حوالي 09 سنوات برّا وبحرا وجوًّا، وزاد الآن الحصار تحت الأرض بغلق وتدمير الأنفاق التجارية والإنسانية بين قطاع غزة ومصر، فقد تمكّنت 05 سفن من الوصول إلى قطاع غزة سنتي 2008 و 2009، وتمّ منع 05 سفن أخرى، وتطوّر هذا التحدّي الأسطوري للحصار إلى “أسطول الحرية 01″ سنة 2010م و”أسطول الحرية 02” سنة 2011م.
ويأتي “أسطول الحرية 3” هذه السنة 1015م ليثبت للعالم وللعدو الصهيوني الاستمرار والثبات والتراكمية في تجربة هذا الجهاد المدني لكسر الحصار عن الشعب الفلسطيني، ونحن نعتبر مجرد انطلاق هذا الأسطول، ووصول “السفينة السويدية: ماريان” إلى نقطة التّماس مع العدو الصهيوني والاعتداء عليها وقرصنتها بطريقة تكشف الوجه القبيح لهذا العدو هو نجاحٌ في حدّ ذاته، وهذا الأسطول حقّق أهدافه والمتمثلة في الإصرار والثبات على هذه الأساطيل، مواجهة الغطرسة الصهيونية بمزيدٍ من الطابع السّلمي والسياسي والإنساني، كشف الوجه القبيح للعدو الصهيوني، تعرية إسرائيل أمام المجتمع الدولي والضمير الإنساني، لفت أنظار العالم إلى مركزية القضية الفلسطينية وإعادتها إلى الواجهة، لفت أنظار العالم إلى هذا الحصار الظالم وغير الإنساني وغير القانوني وغير الأخلاقي للشعب الفلسطيني، لفت أنظار العالم إلى وجود احتلال لابد أن يزول، وفضح الممارسات الوحشية للعدو الصهيوني ضد المتضامنين السلميين، كسب المزيد من التعاطف الدولي وكسب حلفاء جدد للقضية المركزية، الإثبات وللمرة الألف أن هذا العدو هو المجرم وليس الضحية، وأنّه يشكّل تهديدا للسّلم والأمن العالميين، وأنه يشكل خطرا على استقرار المنطقة، وأنه العدو الحقيقي وسبب التوتر فيها، التأكيد أن “إسرائيل” متمرّدة على القانون الدولي وهي ضد حقوق الإنسان ولا يمكن أن تخدع العالم بديمقراطيتها أو إنسانيتها المزعومة.
ومشاركتي كنائبٍ في البرلمان هي تأكيدٌ على المبدأ والموقف التاريخي للجزائر بأنها مع فلسطين ظالمة أو مظلومة، وتجسيدٌ فعليٌّ للنَّفَس الثوري والجهادي والتحرري للشعب الجزائري، وأنّنا لا يمكن التخلف عن نصرة القضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية. وأعتقد أن مشاركتنا كانت نوعية وناجحة وأدّت رسالتها كاملة، وسوف نستمر في هذا المسار النّضالي وبأساطيل قادمة إن شاء الله.
كانت هناك تجربة مريرة وقاسية في “أسطول الحرية 02” سنة 2011م، حيث تمكّن “الموساد” وعملاؤه في اليونان من تخريب وتعطيل سفن الأسطول والاعتداء على النشطاء والمتضامنين، في اعتداءٍ صارخ على السيادة اليونانية وفي عاصمتها، كما بلغت حجم الضغوط الدولية على اليونان إلى درجة استصدار الأمين العام للأمم المتحدة قرارا بمنع دول البحر الأبيض المتوسط من السماح بانطلاق هذا الأسطول من أراضيها وموانئها، وتمكّن العدو الصهيوني من إجهاض الأسطول فلم ينطلق ولم يحقّق أهدافه ولم يبلّغ رسالته للعالم..
ولذلك كان التحدّي الأكبر في “أسطول الحرية 03″، والذي يتكوّن من 06 سفن، بمشاركة 65 متضامنا من 25 جنسية من مختلف الأديان والقارات، هو النّجاح في الانطلاقة وتبليغ صوته للعالم، وهذا الأمر الذي وقع، ولكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك تحدّيات وصعوبات، وتبقى العقبة الكبرى لهذه الأساطيل هي البلد الذي يحتضن انطلاقة هذه القوافل البحرية، فكانت هناك ضغوطٌ رهيبة على اليونان، خاصة وهو يواجه أزمة الديون وتوتر العلاقة مع الاتحاد الأوروبي وتهديده بإخراجه منه، كما أنه تمّ إعطاب السفينة رقم (03) من مجهولين قبل الانطلاق، ولم نعلن عن ذلك حتى لا نشوّش على المشاركين، والضغوط من أجل تأخير وصول السفن الثلاثة: 04 و 05 و 06 للالتحام بسفينة “ماريان” في عرض البحر، وكذا تمّ تعطيل انطلاق السفينة رقم 02. لقد كانت الرّحلة شاقةٌ وقاسية، وتأخّر موعد انطلاق الأسطول لظروف متعلّقة بالأحوال الجوية وظروف البحر، وكذا التهديدات الصهيونية والضغوط الممارسة على اليونان، كما أن الأسطول يتكوّن من سفن صغيرة فكانت الرّحلة فيها متعبة، مع شدّة الحرارة والرّياح وأمواج البحر وطول المسافة (حوالي 1200 كلم) ولمدّة 05 أيام، مع التهديدات الصهيونية باعتراض الأسطول، وتحليق الطائرات العسكرية فوقنا على مسافات منخفضة، وكنّا معرّضين للأخطار في أيّ لحظة، من الجوّ أو من سطح البحر أو من تحته بالغوّاصات.. إضافةً إلى شعورنا بوجود الموساد على الأرض، وعن طريق بعض المراسلين لقنواتٍ إسرائيلية، وتتبّعهم لكلّ كبيرةٍ وصغيرة عن تحضيرات هذا الأسطول، مما زاد من الاحتياطات والتحفّظات، فلقد كنّا في حربٍ حقيقية ومفتوحة مع العدوّ الصهيوني..
وبالرغم من اعتزازنا بتمثيل الجزائر في هذا الأسطول، إلا أنني أسجّل وبكلّ أسفٍ واستنكارٍ هذا الغياب المفضوح، وهذا السبات المستهجن للمواقف الرسمية من السلطة حول ما حدث لـ”أسطول الحرية 03″ من القرصنة الصهيونية له في المياه الدولية، وهذا الاعتداء السافر للعدو الصهيوني على الشرفاء والأحرار في العالم، وكأنّ ما يحدث من الحصار وما وقع للأحرار لا يعني السلطة في البلاد. إنني أسجّل هذا التراجع الرهيب وهذا التخاذل الرسمي لنصرة القضية الفلسطينية ممن كانت تعتبر قبلة الأحرار وكعبة الثوار في العالم، والتاريخ سيسجّل هذا الغياب عن القضية الفلسطينية وعن الدور الإقليمي وعن الحضور الدولي للجزائر فيها.
هوامش:
* كانت الرّحلة شاقةٌ وقاسية، وتأخّر موعد انطلاق الأسطول لظروف متعلّقة بالأحوال الجوية وظروف البحر، وكذا التهديدات الصهيونية والضغوط الممارسة على اليونان، كما أن الأسطول يتكوّن من سفن صغيرة فكانت الرّحلة فيها متعبة، مع شدّة الحرارة والرّياح وأمواج البحر وطول المسافة (حوالي 1200 كلم) ولمدّة 05 أيام، مع التهديدات الصهيونية باعتراض الأسطول.