الإسلام يحارب الأنجاس ولا يحارب الأجناس
يتهم بعض الجاهلين بالنصوص القرآنية الإسلام بأنه دينٌ يعلن الحرب على الأجناس الأخرى وهذا اعتقاد خاطئ، كرسته بعض النظريات الفكرية التي تقوم على المعرفة المجتزأة للإسلام التي تبني تصورات ومواقف وأفكارا على نصوص مبتورة من سياقها على طريقة جماعة “ويل للمصلين”، فليس في الإسلام تمجيدٌ لجنس معين على نحو ما هو موجود في كثير من الفلسفات الدينية، فالإسلام لا يؤمن بنظرية الجنس الأعلى والعرق الأرقى ولا يؤمن بنظرية الشعب المختار إلا في إطار الخيرية القائمة على المواصفات التي فصّلتها بعض نصوص القرآن الكريم، وهي خيرية تتحقق وتنتفي تبعا لتحقق هذه المواصفات أو انتفائها.
ليس في الإسلام عقيدة الأغيار المعروفة في الفكر التلمودي ولا عقيدة العرق الأنقى والجنس الأرقى المعرفة في بعض الفلسفات الغربية، بل الإسلام ينظر إلى الناس على أنهم أسرة إنسانية واحدة قائمة على مبدأ التعارف الذي يشير إليه قوله تعالى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم” (الحجرات 13). هناك لفتة مهمة في هذه الآية ينبغي الوقوف عندها وهي أن الآية الكريمة تضمنت موضوعين اثنين أولهما وحدة الجنس الإنساني لأن الناس على اختلاف ألوانهم وألسنتهم يعودون إلى عنصر واحد وهو آدم عليه السلام كما جاء في الحديث: “الناس من آدم وآدم من تراب” (من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وإسناده صحيح أو حسن أو قاربهما)، فالناس في المشارق والمغارب وحيثما كانوا على وجه هذه البسيطة يجمعهم عنصر واحد ويؤولون إلى عنصر واحد وهو آدم عليه السلام، ولكن الذي يفرق بينهم ويفاضل بينهم إنما هو ميزان إلهي قائم على مدى القرب والبعد من الله سبحانه وتعالى أو قائم بنص القرآن الكريم على مبدأ التقوى التي تعني في أشهر تعاريفها كما في التعريف الذي ينسب إلى سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل”. وقد يقول قائل إن عبارة: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم” تنفي ما قبلها وتنسف المبدأ الإنساني المشترك الذي يكرسه الإسلام، والجواب على ذلك أن التقوى في أوسع معانيها هي استحضار الخوف من الله سبحانه وتعالى الذي يعصم من الفساد والإفساد في الأرض ويذكِّر الإنسان بمحدودية قدرته وضعف إرادته وأنه في النهاية مهما بلغ من القوة والسطوة جرم صغير مقارنة بالقوة الإلهية القاهرة والإرادة العلوية التي لا تعدلها الإرادات البشرية ولو اجتمعت، فالتقوى شاملة لكل ما يحقق الخير للعائلة الإنسانية ويدفع عنها الشر، ولا أعتقد أن هناك بشرا أو أمة أو جماعة تقول بخلاف ذلك إلا إذا ركب هؤلاء رؤوسهم وأعلنوا تمرُّدهم على قوانين الفطرة ونواميس الكون مما نعهده من الجماعات الدموية المتنصلة من كل خُلق والمتمردة على تعاليم الخالق التي تعيث في الأرض فسادا وتشيع القتل والدمار والاستهتار بالقيم الأخلاقية التي ينبغي أن تحكم العالم وتحتكم إليها شعوب هذا العالم بغضِّ النظر عن عقائدها ومشاربها ومذاهبها.
في ضوء ذلك هناك مسألة أحببت أن أجليها وأزيل بعض اللبس الذي ارتبط بها من طرف بعض المشتغلين بالدعوة والفتوى على غير هدى وهي أن الإسلام لا يمقت الجنس اليهودي بل يمقت الخبث اليهودي. وتبعا لذلك، ينبغي أن لا يتصدر المشهدَ الدعوي غوغائيون جاهلون بالأحكام يشيعون على المنابر ومواقع التواصل الاجتماعي معتقدات خاطئة ينسبونها إلى الإسلام وهي في الحقيقة من اختراعهم وابتداعهم وصنع أيديهم أو من إملاء بعض أئمتهم وشيوخهم، ومن قبيل ذلك اعتقادهم أن القرآن الكريم يمقت الجنس اليهودي ويحرِّض عليه فقط لأنه جنسٌ يهودي، وهي نظرة ضيقة لا تستوعب النظرة الكلية التي تتضمنها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تتحدث عن اليهود. هناك معلومة ينبغي أن يعرفها بعض المتصدين للفتوى والمتصدرين للدعوة وهي أن جزءا لا يستهان به من اليهود فيما يسمى “إسرائيل” يرفض العقيدة العنجهية والإجرامية التي يمارسها نتنياهو وسموترتش وبن غفير ويعارضون الحرب على غزة وعلى أي بلد عربي أو إسلامي، وهؤلاء رغم يهوديتهم ينبغي ألا يعامَلوا أو ينظَر إليهم على أنهم جزء من القطيع الصهيوني الذي يحرِّض على المسلمين ويستبيح دماءهم ويستبيح أرضهم وعرضهم وأموالهم، ينبغي أن يُنظر إلى هؤلاء بعين الإنصاف ونحن أمة الإنصاف فينبغي أن لا نسمح لبعض الغوغاء أن يسيئوا إلى ديننا ونبينا ونصوصنا.
كل النصوص القرآنية التي تتحدث عن اليهود لا تتحدث عنهم بصفتهم العرقية ولا بصفتهم الجنسية، فليس للعرق والجنس كما أسلفت حسابٌ في العقيدة الإسلامية بل تتحدث عنهم وتشنِّع عنهم وتحذر منهم وتلعنهم في بعض الأحيان، بسبب الأفعال الشنيعة التي يقومون بها وبسبب خروجهم عن تعاليم الخالق ونقضهم المواثيق وانسياقهم في مسار الفساد والإفساد. يمكنني أن أستعرض في هذا الصدد بعض النصوص القرآنية التي تؤكد ما ذهبنا إليه، وذكر بعضها لا ينفي مخالفة غيرها لهذا المبدأ، فالاقتصار على بعضها للتمثيل لا غير. يقول الله تعالى: “لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيس ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون” (المائدة 78)، فالمعتدي على الآخر مهما كانت عقيدة هذا الآخر يستحقُّ اللعن لأنه نقض ما بينه وبين الخالق وما بينه وبين الخلق فاستحق ذلك فالجزاء من جنس العمل. ويقول الله تعالى: “فبما نقضهم ميثاقَهم لعنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذُكروا به” (المائدة 13)، فاللعنة الإلهية هنا لليهود الذين اجترحوا هذه الموبقات وارتكبوا هذه الجرائم، فهل هناك موبقة وجرم أكبر من تحريف كلام الله سبحانه وتعالى ونقض الحبل الذي يربطهم بالله والخروج عن الجادة؟ ويقول تعالى: “وقالت اليهود يدُ الله مغلولة غُلَّت أيديهم ولُعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء” (المائدة 64). إن اتهام الله سبحانه وتعالى بالبخل -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- موجبٌ لا محالة للعنة، فكيف يجرؤ إنسان على اتهام المولى سبحانه وتعالى وهو العدل المطلق بأن يده مغلولة؟ ألا يستحق هذا وأمثاله اللعنة المغلظة؟.
كل من سار على درب اليهود الأنجاس الذين حرفوا كلام الله سبحانه وتعالى وأفسدوا وأمعنوا في الإفساد وحرضوا على الإسلام وأراقوا الدماء واستباحوا المحرمات والمقدسات من الصهاينة الحاليين يستحق اللعنة ويستحق أن تُعدَّ لهم العدة لمواجهتهم وردِّ كيدهم وكسر شوكتهم دفاعا عن الإسلام وعن الإنسانية في آن واحد، فالإجرام في نظر الإسلام محرَّم سواء كان في حق المسلم أم في حق أي إنسان وفقا لهذا المبدأ القرآني الرفيع: “من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا” (المائدة 32).
إن الحرب العلنية على الأمة العربية والإسلامية الآن هي من صنيع الصهاينة ومن شايعهم من اليهود الغلاة، وينبغي أن لا توجَّه أصابع الاتهام أو توجَّه اللعنات لمن ناءوا بأنفسهم عن الإجرام في حق المسلمين والتزموا بالعقد الإنساني الذي يربطهم بهم وبغيرهم من سكان المعمورة، إن هذا الموقف يحكمه قول الله سبحانه وتعالى: “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين” (الممتحنة 08). ليس في هذا الكلام دعوة إلى الحرب أو الانتقام بل هو دعوةٌ إلى صد الظلم والرجوع إلى مبدأ السلم الذي يشيع الأمن والاستقرار في العالم.
والمسلمون ليسوا ممدوحين لذاتهم ولم يستحقوا الخيرية بسبب جنسهم، بل بسبب أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإيمانهم بالله كما يقول تعالى: “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهلُ الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون”. (آل عمران 110). إن الخيرية في القرآن محكومة بشروطها التي وردت في الآية الكريمة، فالشرط كما يقول الأصوليون يلزم من انتفائه انتفاء المشروط، ولهذا عقَّب القرآن الكريم في الآية على بني إسرائيل الذين فقدوا هذه الخيرية بسبب خروجهم عن مقتضى الإيمان وفسقهم، ولذلك أقول إن ما يتبجَّح به غلاة اليهود من أنهم “شعب الله المختار” هو هراءٌ وادِّعاء باطل، فصنوفُ الإجرام الذي يرتكبونه يتنافى مع مبدأ الخيرية بل يتنافى مع مبدأ الإنسانية.
ينبغي أن لا يتصدر المشهدَ الدعوي غوغائيون جاهلون بالأحكام يشيعون على المنابر ومواقع التواصل الاجتماعي معتقدات خاطئة ينسبونها إلى الإسلام وهي في الحقيقة من اختراعهم وابتداعهم وصنع أيديهم أو من إملاء بعض أئمتهم وشيوخهم، ومن قبيل ذلك اعتقادهم أن القرآن الكريم يمقت الجنس اليهودي ويحرِّض عليه فقط لأنه جنسٌ يهودي، وهي نظرة ضيقة لا تستوعب النظرة الكلية التي تتضمنها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تتحدث عن اليهود.