الرأي

قصة الراعي والجرة..

عمار يزلي
  • 5488
  • 4

نمت على التخوف من تعاظم هيمنة قطاع رجال الأعمال في كل الميادين بما فيها البنوك والشركات الكبرى الوطنية التي ستفتح رؤوس أموالها للقطاع الخاص من بعض من هؤلاء الذين راكموا ثروتهم من رحم البنوك الوطنية ذاتها! مما يعني أن بعض رجال الأعمال صار شريكا في رأس مال شركة مالية بنكية هي من كانت قد موّلته بالملايين الأولى لبناء ملياراته فيما بعد، مما سيسمح له بشراء البنك كله بعد عشرية أو أقل!

نمت على استشراف لا أتمنى أن نصل إليه أبدا، لأجد نفسي أعود للخلف في كابوس عسير!

أنا الآن في سنة 1990، وقد خرجت في تقاعد مسبق من شركة وطنية تنتج الحليب! تقاعدت لأعمل مهربا لكل أنواع التهريب والتهرب، وفي ظرف وجيز، صارت لي أعين وأرجل وأذرع ومنافذ ونفوذ ونقود!

وما إن انتهت سنوات الإرهاب التي اشتغلنا فيها بشكل جيد بعيد عن المراقبة وبالتواطؤ أحيانا حتى مع الإرهاب بناء على قاعدة “التهريب حليف الترهيب” وجهان لعملة واحدة، صرنا نحسب ثروتنا نحن العشرة من المهربين بملايير الدينارات!

صحيح أني لم أشتغل كثيرا في مجال تهريب المخدرات، رغم أني اشتغلت فيها لمدة سنة، أي الأشهر الأخيرة قبل أن أتوجه نحو الاقتصاد المؤسساتي، لكن سنة واحدة كانت كافية لمضاعفة ما بنيته من ثروة خلال 20 سنة! لكن مخاطر المخدرات كبيرة، لهذا تركت هذه المهمة لغيري، وانخرطت في الصناعة! صناعة الشمة! تفاهمت مع عدة بنوك! عندي أصحابي في كثير من إداراتها المركزية والجهوية والذين سهلوا لي قبول ملف الجدوى الاقتصادية! بدأت بالشمة، ووصلت إلى صناعة بعض قطع غيار التراكتورات في الصين وبيعها في الجزائر!

واليوم، أنا أجني من الأرباح ما لم تجنيه حتى الشيخة الجنية! نحمده ونشكره على نعمه ومستعدون أن نسلف للجزائر بالدولار! بل إنني ذهبت إلى أن قدمت مع زملائي في “دبج” (ديوان الباطرونة الجزائرية) مقترحا يقضي بشراء شركات وطنية “Cobra” ومقرات ودواوين منها “صوناـ تراك” و”صوناـ لغز” و”الترامب” والمطارات وشبكة الطرق، ونموًل البرلمان بغرفتيه بعدة غرف في ناطحات سحاب لنحوله إلى غرفة تبريد الجثث! نحن ننتظر الرد (ع)! هكذا نرد الجميل بما هو أجمل بعدما أخذت الجمل بما حمل! سوف نشتري الأصول بعد الوصول، كما أننا سنجعل من بعض المواطنين من متعلمين ومثقفين وباحثين رعاة لقطعان الأغنام في الهضاب العليا بعد أن نشتري كل المواشي من الموالين السابقين وندمج كل هذه القطعان ضمن شركة خاصة تضم 5 ملاك وصناع ورجال أعمال هم من يحتكرون الرعي وتربية المواشي من أجل ضمان لحوم حمراء بسعر نحن من يحدده، ولا استيراد إلا من طرفنا بحسب دفتر الشروط! 

سنعلن عن مسابقة لحاملي الماجستير والدكتوراه علوم وعلوم إنسانية واجتماعية من أجل الالتحاق بمنصب راع وراع مربي وراع حلاب، وراعي خماس، وراعي رباع، ومن يفوز يكون هو رباعين!! ونحن متأكدون أن الإقبال على المسابقة سيكون كبيرا بعد أن جمدنا بقرار كل مسابقات التوظيف في القطاعات الأخرى غير الرعوية والفلاحية، سنعين وزراء لنا في “الحكوـ مات” القادمة وقد يكون رئيس الحكومة نفسه من الحومة! والشعب الجزائري سيكون في طليعة الشعوب التي ترعى..

وأفيق على وقع قارورة ماء زجاجية تهوي على أم رأسي من علو مترين، آآآي… هذه هي قصة الراعي والجرة!

مقالات ذات صلة