-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"الشروق" تكشف الوجه الآخر لصاحبة "الحديقة الساحرة"

قصة “ماما نجوى” مع بومدين و بن هدوقة وبشيشي والـ” بي بي سي”

حاورتها: آسيا شلابي
  • 18745
  • 3
قصة “ماما نجوى” مع بومدين و بن هدوقة وبشيشي والـ” بي بي سي”
بشير زمري
"ماما نجوى" صاحبة "الحديقة الساحرة"

ولدت في 02 فيفري 1942 بحسين داي وسط عائلة ميسورة الحال ومثقفة تخرج منها القاضي والطبيب والمهندس في زمن الاستعمار الفرنسي، فهي ابنة شقيق وكيل جمهورية لدى قضاء الجزائر – عبان رمضان – وحفيدة الحاج محمد بن لخضر بن مكي احد أهم شيوخ جمعية العلماء المسلمين وواحد من المقربين إلى العلامة عبد الحميد بن باديس وابنة رجل معطاء كان أهل القرى ينتظرونه بفارغ الصبر للحصول على المساعدات وكان الحاج بوخروبة يأخذ منه ملابس وحاجيات للطالب محمد “هواري بومدين” الذي كان يدرس وقتها في قسنطينة.

 التحقت بمدرسة “مستقبل الشباب” وتتلمذت على يد الشيخ محمد بن صيام . ثم التحقت سنة 1949 بمدرسة “لوتروتي” المعروفة اليوم بحسين دالي باسم “الخنساء”. وبعد ست سنوات من التحصيل العلمي قضتها بهذه المدرسة وبالمدرسة الجديدة ببروسات أتقنت اللغتين العربية والفرنسية وأصبحت تكتب وتتحدث بهما بكل طلاقة.. هي إنسانة مثقفة جدا ومتواضعة لأبعد الحدود، عاشت بسيطة تحترم الصغير والكبير، عرفها الجزائريون في زمن “الأبيض والأسود” ولا تزال محط إعجابهم واهتمامهم إلى يومنا هذا، يستوقفونها في الطريق ويأخذون معها صورا للذكرى ..”ماما نجوى” هي ضيفة ركن “الوجه الآخر”.

لهذا السبب كان الطلبة الفرنسيون يضايقونها

تقول “ماما نجوى” أو “غنية بن ستيتي” أنها نجحت في الالتحاق بمدرسة فرنسية حرة “بيرز” بوسط العاصمة ثم التحقت “بدار المعلمين” وثانوية “سيدي عبد الرحمن”. وأشارت إلى أن والدها الذي كان موظفا في سونلغاز أصر على أن يستثمر في ميولاتها الأدبية والفنية فسجلها في مدرسة الفنون الجميلة بتيليملي.

“ماما نجوى” بدأت التدريس في سن الـ18 سنة ولأنها كانت فتاة أنيقة وجميلة، كانت تتعرض للكثير من المضايقات من طرف الطلبة الفرنسيين الذين يدرسون عندها في ثانوية “بيجو” أي “الأمير عبد القادر” في باب الوادي. وتضيف “كانوا يضايقوني كثيرا بسبب صغر سني وهو ما استدعى في أكثر من مرة تدخل الطلبة الجزائريين للدفاع عني بالدخول في شجارات معهم”.

وعلى إثر تكرر هذه الحوادث تقرر نقل “ماما “نجوى” إلى “لاميزون كاري “بالحراش المعروفة اليوم باسم “وريدة مداد” للبنات ثم مدرسة “بولونج 20” بنهج بارني المعروفة باسم “الإقبال”.

 

مصورة  ومراسلة “هنا لندن “لإذاعة الـ”بي بي سي”

قبل التحاق “ماما نجوى” بشكل نهائي بالمجاهدين في الجبال، كانت تنشط في العاصمة وتقوم بمهمة تسهيل عبور المجاهدين عندما يقصدون المدينة للتنسيق مع رفقائهم. وتقول في هذا الموضوع “رؤيتي لامي تخيط الأعلام والملابس للفدائيين ومرافقتي لوالدي عندما يأخذها إليهم وإصرار والدتي على أن تأخذ معها آلة الخياطة الى الشرق في عطل نهاية الأسبوع وبالضبط إلى منطقة البابور “سطيف” حيث استقر جدي، زادت من حماستي للالتحاق بصفوف الثورة وتقديم المساعدة لتحرير الجزائر. فكنت أصور العتاد العسكري الفرنسي المدمر “هيلوكوبتر أو عربات قطار” وأقوم بإرسالها إلى “هنا لندن” وبالضبط إلى القسم العربي وهم بدورهم يرسلون إلى أعداد من المجلة التي تصدر وأحيانا مبالغ مالية في الرسائل التي تردني”.

 

“ماما نجوى” الايطالية التي دوخت الفرنسيين

جمال وأناقة وثقافة “ماما نجوى” كان سيفا ذا حدين، فبعد أن سبب لها الإزعاج من الطلبة الذين كانت تدرسهم في باب الوادي، كان مفيدا وفعالا في مساعدة المجاهدين على التنقل عندما يزورون العاصمة “كنت محظوظة لان التلميذات الفرنسيات اللائي كنت أدرسهن من المتعاطفات مع الثورة، كن يسهلن عبوري وتنقلي في الحافلة خاصة وأنهن بنات شخصيات عسكرية وإدارية نافذة.

وتستطرد “كثيرا ما كان يطلب مني مرافقة المجاهدين عندما يقصدون البرج أو بني منصور وعندما يسأل العسكريين عن علاقتي بهم وهم يظنون أنني ايطالية أقول أنهم فلاحون يشتغلون عند والدي. وبقيت أستغل الوضع وأقوم بمهمة الاتصال في عطلة نهاية الأسبوع”.

 

عسكريون فرنسيون وفروا لي الحماية من منظمة الجيش السري

“بلغ المجاهدين أنني سأقتل فتم إرسالي إلى عائلة جبلون بالحراش حيث اختبأت لفترة ثم استغللت وضع زميلة فرنسية كانت تدرس معي ووالدها ضابط برتبة عالية، في الذهاب والرجوع من العمل حيث خافت العائلة الفرنسية من أن تتم تصفيتي من طرف منظمة الجيش السري، وحتى عائلات بعض التلميذات الفرنسيات كن يحذرنني من سلوك بعض الطرق لعلمهن بأنني في قائمة المستهدفين من طرف المنظمة” .

وأضافت في نفس السياق “توقفت عن التدريس لفترة إلى أن قصد عمي وكان وكيل جمهورية مديرية التربية وطلب تحويلي إلى مؤسسة تعليمية أخرى، فتم نقلي إلى اكمالية في “المقرية”. وقصد منزلنا مجاهدون يطلبون من والدي السماح بالتحاقي بالجبل”.

 

مظاهرات 1960 وقصة الالتحاق بالجبال

عيشها حياة رغيدة وهانئة في كنف أسرة ثرية ومتعلمة وشريفة، وتحصيلها الكثير من الشهادات العلمية والفنية ودخولها عالم التدريس من بابه الواسع.. كلها عوامل لم تقنع “ماما نجوى” بالاستقرار وتجاهل أخبار القتل والذبح أو غض الطرف عن تجاوزات المستعمر والمعمر في المدن. فالتحقت بمظاهرات 11 ديسمبر 1960 وقضت ليلة داخل “سيدي عبد الرحمن” وصعدت بعدها إلى الجبل عن طريق فدائيين في القصبة اتصلوا بها رفقة ممرضة من بلكور اسمها زهيدة. وبقي الأمر سريا حتى ظن أهلها أنها توفيت.

وسلمت العائلة والأهل بفكرة موتها إلى أن ظهرت في شريط وثائقي لقناة فرنسية عن الوضع في الجزائر والتحاق الشباب المتعلم بصفوف الثورة. وهو الحدث الذي انتشر بسرعة في حي بروسات وما جاورها وسارع الجيران إلى والدها لإخباره بأن ابنته “غنية” على قيد الحياة.

 

أهل الأخضرية ألّفوا أغاني عن “رانيا”

وبعد الغرب والشرق والعاصمة ومنطقة القبائل كانت “الولاية الرابعة” هي آخر محطة في المسيرة النضالية لـ”رانيا” وهو الاسم الثوري لماما نجوى في تلك الفترة. كانت تكتب الخطابات على الآلة الراقنة وتقصد القرى المجاورة للجبال لتوعية النساء والأطفال.

وأكدت أنه رغم صغر سنها إلا أن المجاهدين كانوا يعاملونها وباقي الفتيات أو الطلبة بمعاملة خاصة ويبعدونهم عن مناطق الخطر فيما يتقدمون هم مضحين بأنفسهم مكررين عبارة “أنتم يجب أن تبقوا على قيد الحياة فالجزائر تحتاج إليكم في مسيرة البناء”.

وأضافت “قضيت فترة لا بأس بها بمنطقة الأخضرية حتى أصبح أهل المنطقة يؤلفون أغاني يشيدون فيها برانية والدور الذي تلعبه في تحسيسهم ومساعدتهم”.

 

هكذا قضينا عيد النصر في الجبال

تقول “رانيا” وهو اسمها الثوري إن المجاهدين في 19 مارس لم يسيئوا إلى جنود المستعمر المحتجزين ولم يقوموا بتصفيتهم، بل ساعدوهم على الفرار عبر الحدود  “المجاهدون ظلوا يحسنون معاملة المحتجزين ويساعدونهم على الهروب. وبعضهم كان يقول لنا إنهم ضد المجيء إلى الجزائر وإنهم من البداية رفضوا المشاركة في هذه الحرب”.

وتضيف: “بقينا منذ عيد النصر نزور القرى والمداشر وننشر الوعي ونقصد العائلات ونحاول تعليم النساء القرويات كيفية الاعتناء بأطفالهن وببيوتهن. نزلت من الجبل سنة 1962 مباشرة بعد الاستقلال وكانت العاصمة تعيش حراكا قويا وفوضى في كل مكان”.

 

يا الطيب زيتوني أين ملفي الثوري الذي سلمته إلى الوزارة؟

قصدت “ماما نجوى” وزارة المجاهدين سنة 1970 تحمل ملفا ثقيلا من شهادات وصور وتسجيلات تؤكد انخراطها في العمل الثوري إلا أنها ـ تقول- لم تعثر لملفها على أي أثر إلى يومنا هذا.

“أودعت ملفي كاملا غير منقوص وملأت استمارة وزارة المجاهدين، وأرفقت مع الملف عددا من التسجيلات المصورة والصوتية وعددا من الشهادات ورسائل المجاهدين ومناشير كنت أكتبها. ولكن لا جديد عن ملفي رغم أن السيد بختي نميش كان قد وجده وطلب مني استكمال بعض الوثائق. وبعد وفاته ضاع مجددا حتى إن أحد زملائي قال لي إنه شاهد عددا من صوري معروضة على واجهة قسمة جبهة التحرير بشارع العربي بن مهيدي وقصدت المكان لكنهم رفضوا إعطائي الصور.

 

ملف “ماما نجوى” الخاص بالتدريس يحوّل إلى باريس

تتساءل “ماما نجوى” عن سر اختفاء ملفها التربوي أيضا وهي من ظلت وفية لمهنة التدريس حتى بعد الاستقلال، ولكنها تفاجأت بوثيقة مفادها أن الملف تم تحويله إلى باريس. تروي بحرقة ما حدث “للأسف توجهت إلى مديرية التربية بوسط العاصمة فسخر مني بعض الموظفين، وأنا التي كنت أقصد مدير التربية الفرنسي ولا يوقفني أحد كما فعلت موظفة المديرية التي استقبلتني في رواق المديرية وزميلها الذي راح يسخر مني”.

 

أتمنى أن تفصل نورية بن غبريط في وضعيتي

“وزارة التربية هضمت حقوقي ولم تكلف نفسها عناء مراسلة الطرف الفرنسي، حيث يوجد ملفي، بل تم تخفيض رتبتي بعد الاستقلال من أستاذة ثانوي إلى معلمة بسيطة. ووزارة المجاهدين بدورها لم ترد على استفساراتي حول الملف الذي قدمته لها وعليه بقيت من دون أي عائد مادي بعد كل ما قدمته، عدا “لوندا” التي تسلمني حقوقي غير منقوصة وأشكرها كما أشكر وزارة الشباب والرياضة على تكريمها لي”.  

“ماما نجوى” ترفض أن تذل، فكرامتها واسم عائلتها فوق كل اعتبار وهو ما جعلها تظل صامتة طوال هذه السنين، محاولة إيجاد الحلول في هدوء وبقنوات إدارية سليمة بل درست الحقوق لمدة ثلاث سنوات وولجت عالم القضاء، حيث كانت مولعة بكتابة المحاضر فاشتغلت مع الكثير من وكلاء الجمهورية بمحكمة “بئر مراد رايس” و”عبان رمضان”، ولكنها اصطدمت بواقع مر وهي لا تجد نسخا عن شهادات “سي جي بي ” و”سي ا بي” والشهادة العليا للدراسات الإسلامية.

 

هكذا اكتشفني بن هدوقة وأرسلني بشيشي إلى ألمانيا

“بدأت بالعمل في الإذاعة سنة 1968بالموازاة مع عملي كمدرسة بعد أن اكتشفني الكاتب والروائي عبد الحميد بن هدوقة، وقدمت أول برنامج “جنة الأطفال” الذي كان يبث كل أحد وخميس، انخرطت في التأليف والتلحين للأطفال مثل “ما أجمل الجو هنا يا رفقتي وأبدعا” و”هل تعلمون تحية”. ثم انتقلت إلى التلفزيون بعد أن أرسلني الأستاذ الأمين بشيشي إلى ألمانيا في دورة تكوينية. ثم قدمت “من الإذاعة إلى الشاشة ” و”بين الغابات الجميلة” و”الحديقة الساحرة”، وأخيرا “عالم الأطفال” في التسعينات قبيل العشرية السوداء. وشاركت في برامج أخرى للأطفال في التربية وفي حملات توعية عن حوادث المرور والاهتمام بالطبيعة وغيرها كثير”.

 

“ماما نجوى” لم تتقاض حقوقها من الإذاعة والتلفزيون

هذه المرأة الجميلة والأنيقة والحساسة والحنونة والمتواضعة التي كانت أما حقيقية لكل أطفال الجزائر من السبعينات إلى التسعينات، رغم فقدانها فلذة كبدها شمس الدين، ظلت وفية لمبادئ عائلتها الثورية الشريفة واجتهدت في رسم الابتسامة على محيا الطفولة وما تزال إلى اليوم تهتم بالشباب وتنصحهم بحب الوطن والحفاظ عليه مهما كانت الظروف. فهي من غادر الفيلا إلى ساحات الوغى وطلقت الرفاهية واحتضنت آلام الفقراء في القرى والمداشر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • نورالدين

    انتي امنا الثانية لن انساك طوال حياتي

  • Saja

    شكرا ماما نجوى لكل ماقدمته لقد تربينا على برامجك واتمنى ان تنصفي يارب

  • بدون اسم

    لقد احسنت صنعا يا اماه فانا والله قد ابكتني قصتك فانت نعم الام المخلصة لبلدها فلا تندمي