الرأي

قصة معهد وُلد على الورق… وغاب عن الميدان!

وكالات
جانب من اللقاء التأسيسي للمجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج

عندما كتبنا قبل أيام عن المجلس الذي أُنشئ لعلمائنا في المهجر، وعن مشروع إنشاء معهد للدراسات العلمية المتقدمة على شاكلة ذلك الموجود بباريس، استعاد عدد من الزملاء الرياضياتيين ذكريات مسيرة طويلة من الجهود المضنية التي بذلوها، فرادَى وجماعات، منذ مطلع الألفية، من أجل أن يرى مشروعا من هذا القبيل النور في الجزائر يُعنَى بوجه خاص بالرياضيات. والمحزن في الأمر أن تلك المبادرات الجادة، التي امتدت لأكثر من ربع قرن، لم تحصد سوى الوعود المتكررة من أعلى السلطات، بينما بقي المشروع حبيس المراسلات واللقاءات والتصورات، ولم ينتقل يومًا إلى أرض الواقع!

وحين نعود اليوم إلى الوثائق والرسائل المتبادلة بين نخبة من رياضياتيينا الغيورين على وطنهم وبين السلطات العليا في البلاد خلال الفترة 2000-2017، ينتابنا شعور عميق بالحسرة والحزن. فكل صفحة منها تروي قصة فرصة أُهدرت، وكان بإمكانها أن تجعل الجزائر تمتلك منذ سنوات صرحًا علميًا من طراز عالمي.

2000: السنة العالمية للرياضيات

يرجع أصل الفكرة إلى ملتقى سمّي “اللقاء الوطني للرياضياتيين الجزائريين” الذي نظم سنة 2000 -بمناسبة السنة العالمية للرياضيات التي أعلنتها اليونسكو- التقى فيه بالجزائر العاصمة نحو 300 أستاذ جامعي من أساتذة الرياضيات والباحثين الجزائريين من داخل الوطن وخارجه. وقد خلص المشاركون آنذاك إلى أن الجزائر، رغم امتلاكها نخبة علمية متميزة في الرياضيات، تفتقر إلى مؤسسة وطنية قادرة على جمع هذه الكفاءات وتوجيهها نحو مشاريع علمية استراتيجية ذات أثر اقتصادي وتكنولوجي. ومنذ ذلك التاريخ بدأت سلسلة طويلة من المبادرات لإقناع السلطات العمومية بضرورة إنشاء هذا المعهد.

فقد شهدت الفترة الممتدة من سنة 2000 إلى 2009 محاولات متكررة من هؤلاء الزملاء لم تلق استجابة فعلية، رغم الاعتراف بوجاهة الفكرة من قبل السلطات الحكومية. ثم جاءت مرحلة ثانية مع إنشاء “المِخبر الأورو-مغاربي للرياضيات” بالتعاون مع “المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي” (CNRS) فتجدد الأمل في تحويل المشروع إلى واقع، سيما بعد أن لقي دعما من المديرية العامة للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي بالجزائر. ففي ذلك الوقت أُعدَّت ملفات علمية وتنظيمية، وجرى التحضير للقاء دولي يحضره مديرو أبرز معاهد الرياضيات البحثية العالمية، غير أن هذا اللقاء ألغي قبل موعده بيومين دون توضيح الأسباب!

وتبيّن الوثائق المتبادلة بين الزملاء والسلطات الحكومية أن الجزائر تمتلك رصيدا علميا مهما في الرياضيات، فقد نجحت منذ الاستقلال في تكوين أجيال من الباحثين ذوي السمعة الدولية، في عديد الفروع الرياضياتية البحتة والتطبيقية. غير أن الأزمة التي عرفتها البلاد خلال تسعينيات القرن الماضي أدت إلى هجرة عدد كبير من الباحثين وإضعاف فرق البحث الوطنية، وهو ما جعل إنشاء مؤسسة وطنية للتميّز العلمي ضرورة ملحة لاستعادة الحركية العلمية وتكوين جيل جديد من الباحثين.

أما المشروع المطروح فيقترح إنشاء معهد يشبه المؤسسات العلمية الكبرى الموجودة في العالم، مثل معهد الدراسات المتقدمة في برينستون (IAS) الأمريكية، ومعهد الدراسات العلمية المتقدمة (IHES) بفرنسا، ومعهد ماكس بلانك(MPG) بألمانيا، ومعهد الرياضيات البحتة والتطبيقية (IMPA) بالبرازيل، وغيرها من المؤسسات التي أصبحت مراكز إشعاع علمي عالمي. وكان أصحاب المشروع يرون أن الجزائر لها من الإمكانات البشرية ما يؤهلها لإنشاء مؤسسة مماثلة، يمكن أن تصبح مرجعا وطنيا وإقليميا في البحث الرياضي.

ولا يقتصر دور المعهد المقترح على البحث النظري، بل يهدف أيضا إلى خدمة التنمية الوطنية من خلال توظيف الرياضيات في مختلف القطاعات الاقتصادية. ويركز المشروع على البحث في النمذجة الرياضية والمحاكاة العددية والإحصاء وتطبيقاتها في الطاقة والمحروقات والطب والمناخ والاقتصاد، دون إهمال الشق النظري الذي له علاقة مباشرة بالتعمية (التشفير) والاتصالات وأمن المعلومات.

أحلام المشروع

كان هذا المشروع يولي أهمية كبيرة لتكوين الموارد البشرية. وفي هذا الباب، اقترح إنشاء مدرسة دكتوراه عالية المستوى، واستقبال طلبة الدكتوراه وما بعد الدكتوراه، واستضافة الباحثين الجزائريين المقيمين بالخارج، إضافة إلى علماء أجانب مرموقين، بما يسمح بإقامة شبكة تعاون دولية دائمة، ويحوّل الجزائر إلى مركز للقاءات العلمية والمؤتمرات الدولية في الرياضيات. كما يقترح نظاما مرنا لاستقطاب الكفاءات من خلال عقود مؤقتة وحوافز مالية مناسبة.

وذهب الزملاء في متابعتهم للمشروع إلى أبعد من ذلك حيث تعرضوا إلى الجوانب التنظيمية وقدموا تصميما مفصلا لهيكلة المعهد، يتضمن مجلس إدارة يمثل مختلف القطاعات الوزارية والاقتصادية، ومجلسا علميا يضم باحثين جزائريين من الداخل والخارج إضافة إلى خبراء أجانب، ومديرا عاما يشرف على التسيير العلمي والإداري. كما حدد المشروع مهام كل هيئة، وآليات اتخاذ القرار، وأساليب التسيير المالي والإداري، وعرض تقديرا أوليا للميزانية السنوية، إضافة إلى تصور معماري لمبنى المعهد وتجهيزاته !

ومن بين الوثائق رسالة الدعم التي بعث بها سنة 2014 الرياضياتي الفرنسي سيدريك فيلاني Villani، الحائز على ميدالية فيلدز، إلى وزيري التعليم العالي والطاقة في الجزائر. فقد أكد فيلاني أن العلوم الرياضية أصبحت من أهم محركات الاقتصاد العالمي، مستشهدا بالتجربة البرازيلية التي نجحت بفضل إنشاء معهد وطني قوي للرياضيات.

كما أعدّ الزملاء مشروع مرسوم تنفيذي متكامل لإنشاء المعهد يحدّد أهداف المؤسسة، ومهامها، وهيكلها الإداري والعلمي، وطرق تمويلها، وآليات توظيف الباحثين واستقبال الأساتذة والطلبة من الجزائر والخارج. وتكشف المراسلات أن المبادرة بلغت مرحلة متقدمة من الإعداد القانوني والإداري، ولم تعد مجرد فكرة أكاديمية بل صارت مشروعا جاهزا للتنفيذ في حال صدور القرار السياسي المناسب.

مراسلات لا تنتهي…

وتواصلت المراسلات بين أصحاب المشروع والهيئات الرسمية، ومنها مراسلة مؤرخة في 5 أكتوبر 2014، تتصمن التماسا موجها إلى السيد محمد علي بوغازي، مستشار رئيس الجمهورية آنذاك -وكان قبل ذلك وزيرا منتدبا للبحث العلمي وأستاذا للرياضيات- تطالبه بدعم إنشاء مركز وطني للبحث في الرياضيات بالجزائر. وقد وُقعت الرسالة من قِبل مجموعة من أساتذة الرياضيات في الداخل والخارج.
وكان من بين الأهداف الأساسية للمشروع التخفيف من هجرة الأدمغة. فالجزائر تفقد سنويا عددا كبيرا من الباحثين والأساتذة الجامعيين المختصين في الرياضيات، الذين يهاجرون إلى الخارج بحثا عن ظروف بحث أفضل. إن إنشاء هذا المعهد -لو تمّ- كان سيوفر لهؤلاء بيئة علمية تدفعهم إلى البقاء في البلاد والمساهمة في نهضته العلمية.

ومن المراسلات أيضا تلك الموجهة إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي بتاريخ 10 ديسمبر 2017، وقعها أعضاء “اللجنة التوجيهية المكلفة بإعداد مشروع المعهد العالي للرياضيات”، يستفسرون فيها عن مصير مشروع إنشاء هذا المعهد الذي بقي معلقًا رغم استكمال معظم مراحله الإدارية والقانونية.
تشير هذه اللجنة التي أنشئت رسميا في29 أكتوبر 2014 إلى أن المشروع مرّ بمراحل عديدة وصعبة وأن أملها كان كبيرا ليرى المشروع النور. وتُبرز الرسالة أن التصريحات الإعلامية الصادرة عن كل من وزير التعليم العالي والوزير الأول في تلك الفترة عززت هذا التفاؤل، بعدما أكدا عزم الدولة على إنشاء المعهد. وتوضح اللجنة أنها قامت، منذ تنصيبها، بكل ما كان مطلوبًا منها حيث أعدت مشروعًا متكاملًا للمرسوم التنفيذي وسلمته إلى الوزارة. وبعد ذلك أُحيل المشروع إلى لجنة مختصة على مستوى المديرية العامة للوظيف العمومي لدراسته، وهو ما يدل على أن الملف انتقل إلى مرحلة متقدمة من الإجراءات الإدارية. كما تؤكد الرسالة أن اللجنة أجابت بصورة كاملة عن كل الاستفسارات والملاحظات التي وجهت إليها، ولم يبق سوى اتخاذ القرار بتخصيص مقرّ للمعهد، وهو إجراء ترى اللجنة أنه يدخل ضمن صلاحيات الوزارة وحدها.

بعد هذا العرض، عبّرت اللجنة عن استغرابها من بقاء المشروع جامدًا رغم استكمال أغلب مراحله، وتتساءل عن الأسباب التي أدت إلى توقفه دون صدور أي قرار نهائي. وفي ختام الرسالة، وجهت اللجنة نداءً مباشرا إلى وزير التعليم العالي، تلتمس فيه تدخله الشخصي من أجل تسريع إجراءات إنشاء المعهد حتى يرى النور. كان ذلك في نهاية أيام سنة 2017… ونحن لازلنا في الانتظار!!! واليوم، وبعد ما يقارب عقدًا من الزمن، لا يزال النداء معلّقًا، ولا يزال المشروع حبيس الأدراج. فإلى متى سيظل هذا المشروع مؤجَّلًا؟!

مقالات ذات صلة