الرأي

“قضية شعب لا قضية حزب”

أحيا شعبُنا الذكرى الواحدة والسبعين لإحدى أمجد ذكرياته وأعزّها وأغلاها، وهي ذكرى أوّل نوفمبر، الثورة “المعجزة” التي وضعت أنف فرنسا وحلفائها في الرّغام، وتحرّرت على قناها جميعُ الشعوب الإفريقية التي ابتليت بأنذل وأخسّ استعباد، وهو الاستعباد الفرنسي، وما أظلمَ أحمد شوقي الذي وصف فرنسا بأنّها “حرّرت شعوبًا”، ثم تساءل: “فكيف على قناها تُسترقُّ؟”، وذلك في قصيدته التي شوّهها بهذا البيت، وذلك بمناسبة قصف فرنسا مدينةَ دمشق.

لقد أكّد اللئيمُ الفرنسيّ جابريال إسكير أنّ الإمبراطورية الفرنسية ابتدأت باحتلال الجزائر، وهو عنوان أحد كتبه، وهذه الإمبراطورية كانت نهايتها على أيدي الجهاد الجزائري، بشهادة لئيم فرنسي آخر هو المجرم الجنرال راؤول صالان في كتابه “نهاية إمبراطورية” (Fin d un empire)، فرحم الله جميع شهدائنا الذين وأدوا حلم فرنسا وأنهوا بجهادهم أبشع وأقذر عهود التاريخ، وهو عهدُ فرنسا في هذه البلدان التي ما يزال بعضُها محتلا احتلالا غير مباشر.

شهد الفرنسيون اللؤماء أنّ جنبَهم لم يطمئن في الجزائر بسبب ثورات الشعب الجزائري، حتى أنّهم أطلقوا اسم “الأرض البركانية” على الجزائر لكثرة ثوراتها، ولكنّ هذه الثورات لم تحقّق مبتغاها، وهو دحرُ الفرنسيين، وتطهير الجزائر من أرجاسهم، وذلك لسبب واحد هو أن أسلافنا لم يواجهوا فرنسا اللئيمة المجرمة صفًّا واحدًا، فطال عهدُ فرنسا المجرمة في أرضنا الطاهرة حتى بلغ قرنا واثنتين وثلاثين سنة.

هذه العلّة هي التي تنبّه إليها ستّة شبان، خطّت الأقدارُ في صحيفتهم أن يكون على أيديهم بداية نهاية هذه الإمبراطورية المجرمة، وهؤلاء “الستة” هم الشهداء مراد ديدوش، ومصطفى بن بولعيد، ومحمد العربي بن مهيدي، والمجاهدون بلقاسم كريم، ومحمد بوضياف، ورابح بيطاط. وقد أحسنت الدولة الجزائرية إذ وضعت صورتهم على عملة الجزائر من فئة الألفي دينار.. لقد كبّر هؤلاء الشبانُ الجهاد من شرق الجزائر إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، فغُصّت به فرنسا، وكانت نهايتُها في إمبراطوريتها، وهو ما تنبّأ به المجرم المُترهْبِن شارل دو فوكو في رسالة إلى أحد أصدقائه في 1912، ونشرتها جريدة “لوموند” في عددها بيوم 17 شهر ماي 1956.

إن وحدة الشعب الجزائري هو ما دعت إليه “جمعية العلماء”، وهذا العامل هو ثاني اثنين في كسب حربنا الشريفة مع فرنسا الصليبية، والعنصر الأهم هو توحيد الله -عزّ وجلّ- فبهذين العاملين حقّق شعبُنا “معجزة القرن العشرين” بتحرير نفسه، وتحطيم الإمبراطورية الفرنسية، ونقل جهاده الحضاري المسلّح إلى أرض عدوّه فرنسا، وهو ما لم يفعله أيُّ شعبٍ في التاريخ.

إن “جبهة التحرير” التي قادت جهادنا الأخير، هي تجسيدٌ لصرخة ابن باديس في مجلة الشهاب (سبتمبر 1937) وهي: “كوّنوا جبهة متّحدة لا تكون المفاهمة إلا معها”، وهو ما أكّده تقريرٌ للأمن الفرنسي في 28 جانفي 1958، والذي اعتبر الإمامَ ابن باديس هو “الأب الروحي لجبهة التحرير”، ولهذا أقترحُ على الإخوة المسئولين وفي مقدّمتهم الأخ عبد المجيد تبّون، رئيس الجمهورية، أن يأمر بإضافة صورة الإمام ابن باديس إلى صورة أولئك الرجال السِّتة، لأنّ الإمام كان شعارُه الدائم هو: “إنّ تحرير الجزائر هو قضية شعبٍ لا قضية حزب”، كما قال الشهيد الشاعر الربيع بوشامة تلميذُ الإمام.

رحم اللهُ شهداءنا، ومتّع بالصّحة مجاهدينا، وجعلنا أهلا لحفظ أغلى أمانةٍ استأمنونا عليها، وهي الجزائر بمقوّماتها الحضارية التي ستتحطّم عليها جميعُ المؤامرات..

مقالات ذات صلة