قطار زرالدة ينهي كابوس 7 آلاف عامل
“إنه المنقذ من ازدحام الطرقات”، “سيخلصنا من العزلة” وغيرها من العبارات التي فضّل المواطنون المقيمون بمدينة زرالدة أو المتوجهون إليها وصف خط السكة الحديدية الجديدة، بعد إضافة 5 محطات أخرى “بئر توتة، تسالة المرجة، سيدي عبد الله، الجامعة، زرالدة” جعلت من السكان يتنفسون الصعداء، لتكبر معها آمالهم وأحلامهم في استكمال المشروع لولاية تيبازة حتى يودعوا “زحمة السير” إلى الأبد. “الشروق” ركبت القطار في يومه الثاني وخاضت رحلة الذهاب والعودة، لتعود وتنقل إليكم تفاصيلها.
أكدت رئيسة محطة زرالدة وسيلة حفار في تصريح لـ”الشروق”، أنّ القطار الجديد ينقل 7 آلاف مسافر يوميا أغلبهم عمال، وهو عدد معتبر حسب المتحدثة، بإمكانه تقليص الضغوطات التي يشهدها مجال النقل بالجهة الغربية للعاصمة، خاصة وأن العمال الذين يقصدون العاصمة من الجهة الغربية يقضون ساعات طويلة في زحمة المرور، غير أن الخط الجديد بإمكانه قطع أزيد من 45 كلم مابين العاصمة وزرالدة في أقل من 50 دقيقة.
“الشروق” ترافق المسافرين في رحلة الأحلام
وصلنا محطة آغا على الساعة الحادية عشرة صباحا، ونحن بصدد اقتطاع التذكرة سألنا عون الشباك عن مواعيد قطار زرالدة، فردّ علينا كل 20 دقيقة هناك رحلة، غير أنّ القطار كان في يومه الثاني، وقد يتطلب الأمر بعض الوقت ونحن ننزل السلالم صادفنا العديد من المواطنين ضائعين يبحثون عن الرصيف المخصص لقطار زرالدة، فلا توجد لافتة تدل عليه ولا أعوان لاستفسارهم، فاضطر البعض للصعود وطرح انشغالهم قبل إيجاد ضالتهم، وقد بدا عليهم الحماس الشديد لتجريبه، فالجميع شاهدوه مزيّنا بالأعلام الوطنية على شاشة التلفزيون، ليشرع أحد الشيوخ بوصفه بدقة، ويتحدث عنه بلغة خبير بعد ما شاهده في الصور.
الوصفة السحرية للتخلص من زحمة المرور
أخذنا مقعدنا رفقة عجوز وابنتيها ورحنا نتجاذب معهن أطراف الحديث، حيث قالت إحداهن كانت منشغلة مع رضيعها: هذه المرة الأولى التي أركبه، لكن مرافقتي متعودة على ركوب القطارات، لتتدخل الأخرى مباشرة “هذا الخط سيخلصنا من الازدحام والاختناق المروري، تصوري عندما أتوجه لمعالمة عادة ما أستغرق ساعة ونصفا إلى ساعتين، فالجميع يعرف “كابوس” الازدحام الشديد في الطريق السريع المؤدي لزرالدة، فيكفي أنني لن أضطر للمرور بسعيد حمدين وبن عكنون لأشعر بالراحة” لتضيف بشيء من اليقين “الرحلة ستكون أقل زمنيا لذا أعول عليه كثيرا في الذهاب صباحا”.
فيما صرح لنا أحد المواطنين وهو يعمل في بئر توتة، تخصيص اليوم وقد تزامن مع عطلته للقيام بجولة في القطار لمعاينته والإطلاع على مدة الرحلة والمحطات التي يتوقف بها حتى يتسنى له تحديد واختيار الوسيلة الأحسن، فيما اكتفى جزء كبير بالتعبير عن فضولهم الشديد ورغبتهم في التعرف على الطريق الجديد بالقطار، وقد أعلن شطر آخر استعدادهم للاستغناء عن سياراتهم وتعويضها بالقطار، لأن الوقت أقل وسيخففون من مصاريف البنزين.
وكان للطلبة الجامعيين بسيدي عبد الله نصيبهم هم أيضا، فالقطار الجديد سيخلصهم من مشكلة التأخر الصباحي والتفكير في طريقة العودة، حيث قال لنا أحد الطلبة والسعادة تغمره: “هذا القطار خلصني من شبح الإقصاء، وقد علمت من أصدقائي عن وجود موقف اسمه الجامعة سيجعلني على مقربة من منزلي وجامعتي”.
القطار ينهي هيمنة “الكلونديستان” ويفك الخناق عن الضواحي الغربية
انطلقت الرحلة الثانية في الموعد المحدد، ما بعث ارتياحا نسبيا لدى الركاب وقد كان غالبيتهم من سكان معالمة، الزعترية، سيدي عبد الله والذين لم تسعهم الفرحة وهم يركبون القطار الجديد الذي ربطهم بالعاصمة، وفك عنهم العزلة التي كانت تجعل من زياراتهم لوسط العاصمة مشروعا كبيرا يتطلب منهم يوما كاملا، ولم تدم الفرحة طويلا، لأن القطار توقف لدقائق إثر عبث الأطفال بأزرار الأبواب توقفت معها قلوب الركاب، خصوصا السيدات، ليكمل سيره وسط تخوفات وتوجسات قطعها احتجاج أحد الركاب على غلاء التذكرة فـ 70 دج، فهو يراه مبلغا كبيرا، فيما وجده آخر سعرا مناسبا وأقل من تكلفة الحافلة، فالذهاب والعودة يكلفانه 200 دج يوميا، فالغالبية يرون الأسعار مقبولة جدا، وستخلصهم من سطو السائقين غير الشرعيين “الكلونديستان” الذين لا يرضون بأقل من ألف دينار.
ولأن رحلة العودة كانت تعج بحركة الأطفال ولعبهم، اتخذ بعض الباعة المتجولين سبيلهم عارضين بسكويت، مناديل ورقية، لبانا ومياها معدنية على الركاب، فيما راح آخر يعرض خدمات شحن الرصيد نحو جميع شبكات متعاملي الهاتف النقال، لتدوم رحلة العودة نفس المدة السابقة.
.. وللأفارقة نصيب
ونحن نتجول داخل القطار، وإذا بفوج من الأفارقة يهرول للصعود في مظهر كان يبدو عليهم أنهم عمال إحدى ورشات البناء أو نحوها، خاصة مع نزولهم بمحطة المدينة الجديدة سيدي عبد الله التي تعرف انجاز مختلف المشاريع السكنية.. صمت متواصل داخل القطار يقطعه ضجيج وحديث هؤلاء الأفارقة الذين يتكلمون بصوت مرتفع من حين لآخر، تتبعها قهقهات وكأنهم يوحون بالقول إن العمل في الجزائر بالنسبة إليهم حلم وتحقق، وكذب من قال أنهم مقهورون مثلما تظهره بعض القنوات الغربية والعربية..
شيوخ في رحلة البحث عن مكان الرئيس للتبرك به
بمجرد ركوبنا القطار، راح أحد الشيوخ يسأل العون عن المكان الذي جلس فيه الرئيس وكله أمل في الظفر به قبل الجميع للتبرك به، فيما أظهر الركاب إعجابهم بشكل القطار وأرضيته الحمراء التي زادت من فخامته، لتنطلق الرحلة والجميع يطالعون النافذة لاستكشاف السكة الجديدة.
وبعد مرور لحظات قليلة من انطلاقه، عاد القلق والارتباك ليستقر بقلوب الركاب لغياب لوحة أو صوت يشيران إلى اسم المحطة المتوقفين بها، ما اضطر البعض لقراءة اللافتات الموجودة بالخارج، أما آخرون فكانوا يقفون عند الباب ليسألوا الركاب.
ركاب يوثقون المناظر الطبيعية الخلابة لسهول متيجة
واللافت للانتباه هو البيوت القصديرية والخردوات الملقاة بجوار السكة الحديدية، وغياب كامل لنظافة بالمحطات القديمة كالحراش، جسر قسنطينة وعين النعجة، لكن بعد خروجنا منها بدأت المعالم والتضاريس تتغير، وكأننا خلفنا كل تلك الفوضى والقذارة وراءنا وانطلقنا من جديد، ومع أن الموقف التالي كان بابا علي ثم بئر توتة فتسالة المرجة، لكن الطبيعة الساحرة لسهول متيجة كانت مختلفة جدا، ومغايرة لما تعودنا عليه، وكأننا في مكان مغاير للعاصمة لم نره من قبل، فقد كانت الخضرة على مد البصر والجبال ومزارع البرتقال تصاحب الرحلة، ما يبعث الاطمئنان والراحة سريعا في نفس الراكب لجمالية المنظر والراحة الكبيرة التي تحدثها بنفسه، حتى إن كثرة تأملها تشعره بخروج طاقة سلبية من جسده، يرافقها هواء عليل ومنعش يتسلل لرئتيه فيحمله بعيدا عن ازدحام السيارات ومحاصرة العمارات والبنايات التي باتت ديكورا يوميا يخنق المواطنين، فيزيد من ألفته ويشحنه بقوة لبدأ يوم جديد، وهو ما شجع العديد من الركاب على التقاط صور لهذه المناظر الطبيعية التي لم يكن يراها إلا من خلال شاشة التلفزيون.
مبنى زجاجي ونافورة مياه ساحرة تثير إعجاب العائلات
ظننا أن العودة ستكون مباشرة، لكن أعوان الأمن والحراسة أخبرونا بأن الانطلاقة الثانية ستكون بعد ساعة من الآن، أي في حدود الثانية بعد الزوال، ووجدناها فرصة للتجول في المحطة والتي كان شكلها الخارجي جميلا جدا، بواجهة زجاجية أنيقة وجذابة، وقد شيدت بطريقة عصرية، فالمدخل به نافورة مياه ساحرة على شكل ثلاث دلافين جلس بالقرب منها المواطنون يغتسلون ويلتقطون الصور “السيلفي”، طاولات رخامية ومقاعد وسط مساحات خضراء وحشائش، زيادة على محطة للحافلات حتى يسهل على سكان المنطقة التنقل لمنازلهم، وما زاد من جماليتها وأهميتها، احتواؤها على حظيرة سيارات، وهو ما شجع العديد من المواطنين على ترك سياراتهم داخلها وركوب القطار للتوجه لوسط العاصمة، ثم العودة مرة أخرى، ولولا افتقاد المحطة لمصلى ودورة مياه “مراحيض” لأصبحت مقصدا للعائلات لتمضية نهاية الأسبوع، على حد قول إحدى السيدات من الحراش.
هذه رزنامة قطار زرالدة ـ أغا
تنطلق الرحلة الأولى من محطة زرالدة باتجاه آغا وسط العاصمة على الساعة السادسة والربع صباحا، تليها الرحلة الثانية في السابعة إلا خمس دقائق، ثم الثامنة وعشرون دقيقة، التاسعة والربع فالعاشرة و35 دقيقة، الحادية عشرة والنصف، الثانية زوالا، ثم الثالثة إلا الربع، فالرابعة وعشرون دقيقة، الخامسة والنصف، فيما خصصت الرحلة ما قبل الأخيرة في حدود الساعة السادسة و35 دقيقة.
أما آخر الرحلات فحددت على الساعة الثامنة ليلا، أما في حالة أخذ مسار الانطلاقة من محطة أغا فحددت أولى الرحلات انطلاقا من الساعة الخامسة و10 دقائق صباحا، ثم الخامسة والنصف، لتليها الرحلة الثالثة في حدود الساعة السابعة وعشر دقائق، ثم الثامنة وعشر دقائق، التاسعة وعشرون دقيقة، العاشرة والربع، فمنتصف النهار إلا خمس دقائق، ثم الواحدة وعشر دقائق، الثالثة و3 دقائق، الرابعة وعشرون دقيقة، ثم الخامسة وعشرون دقيقة، ليحدد توقيت آخر الرحلات في حدود السابعة مساء إلا 10 دقائق.



