الرأي
نـصـف خـبـر

قـمح 1830 وشعـير… 2010

سليمان باخليلي
  • 9989
  • 57

ما الحكاية بالضبط؟.. انطلق المونديال وشغـل الناس به، وتناقلت الأخبـار تقديم ما لا يقل عن مليون موظف في الجزائر طلبات عـطلهم بين الحادي عشر جوان والحادي عشر جويلية، وتنبأت هذه الأخبار بتمديد هؤلاء أجازاتهم إلى غاية عيد الفطر المقبل، باعتبار أن شهر رمضان الفـضيل منتظـر بُـعـيـد المونديال ومن غير المعقول أن نـستقبـل “ضيفنا السنوي” ونحن نعمل!

انطلق المونديال إذن، وخسـر المنتخب الوطني أمام سلوفينيا، ليس بيد غزال ولا بـرجْـل شاوشي، ولا بسبب تسريحات الشعر العجيبة الغريبة التي أسالتْ حبراً كثيراً ولم تحرك شعرة واحدة من تلك الشعـرات الملونة التي جعلت منتخبنا بدعاً بين فرق العالم، ولكن لأسباب اختلف بشأنها المحللون والمفسرون، واختلاف العلماء رحمة!

ولأننا جميعاً نحب منتخب بلادنا، فقـد نصب 35 مليون جزائري أنفسهم مدربين للفريق الوطني بعد أن تراجع هـوسهم وإعجابهم بالشيخ سعدان من أول مباراة… وبنفس القـدر من تراجعـنا هذا، تراجعت بدورها “أم حسن” عن وعدها بـدعم ممثل العرب الوحيد، وتشفت فينا كما سبق وتوقعنا قبل أسبوع، بل ذهبت إلى الأبعـد إذ دعـت لاعـبينا إلى أخذ دروس خصوصية في اللغة العربية حتى يستطيعوا تمثيل العـرب في كـأس العالم، وكأني بالكرة تـلعب بالألــسـن لا بالأرجـل، وبـذلـك عـادت “مصر الجديدة” إلى عادتها القديمة!

في خضم كل هذه المعطيات التي يشيب لها “لـمـْصاغــرْ”، مازال الشعير وحده على وضاعته وخـسته ورخسـه يصنع الأخبار، وما تزال  حـكايـة الشـعـيـر المـصـدر لـ “الخارج” تحظى بالطبل والمزمار، حتى كاد “بوعلام تيتيش” يـبعـث من قبره ليشيع الشعـيـر بالسنجاق والزرنة العاصمية إلى مرافـئ المحروسة ويودعـه بمناديل الوداع البيضاء! 

سبع سنبلات يابساتٍ من الشعير نصدرها إلى “الخارج” وتقوم الدنيا عندنا ولا تقعد، (والخارج في التعبير الجزائري هو فرنسا فقط كما تعلمون)… أي نعـم، من حقنا أن نقيم الدنيا ولا نقعدها، لأننا ـ رغم ما تختزنه بلادنا من خيرات ـ لم نتمكن بعد 48 سنة من الاستقلال من تصدير مثقال حبةٍ من خردل لـ “الخارج”، اللهم إلا إعادة تصدير اللغة الفرنسية إلى فرنسا بعد أن نستوردها منهم ونعيد إرسالـها إليهم مغلفة ًبالسيلوفان  خالية من الأخطاء النحوية والصرفية والإملائية باعتبارها غنيمة حرب، في الوقت الذي يصدر فيه جيراننا منذ عشرات السنين كل ما يصلح وما لا يصلح للتصدير، بدءا من البطيخ والدلاع وانتهاء بالطماطم والخردل!

يـعلن مسؤولونا الأفاضـل عن الفتح المبين بإرسال آخر شحنة في موعدها، ويقدمـون لنا الشعير ـ في خبر عاجل ـ على أنه مجهود سنوات سمان يخشى أن يأتي عليهن انخفاض الأورو بسنينٍ عجاف، وبالتالي فقد كان من الحكمة غض الطرف عن الصفقة في شكلها القانونـي والتعجيل بالتصدير قبل أن تجف خزائن فرنسا وتعجز عن إطعام دوابها وبهائمها بشعيرنا الرفيع فلا نجـد “خارجاً” آخر يقبل شعيرنا، باعتبار أن فرنسا “متعودة” وتعـشقنا وتعـشـق “خمورنا” حتى الثمالة!

وبالمقابل، تفاءل بعضهم خيراً بهذه الخطوة المباركة، وقلل من شأن أزمة العملة الأوروبية باعتبار أن الشعير الجزائري بالإضافة إلى رخسـه فهو عالي الجودة، وأن الفرنسيين، أمام جودته العالية التي حرص مسؤولو الشعير في بلادنا على الترويج لنسبة رطوبته المنخفضة بـ 9 بالمئة عن المستوى العالمي، سيستخسرونه في دوابهم وأنعامهـم ويخصون به أنفسهم على شكل بيرة تُـنسيهم مرارة نبيذ بوردو المعتق…  بل إن مـن شـأن هذه الخطـوة “المباركة” أن تفتح صفحة جديدة تنتهي بتوقيع معاهدة الصداقة التي لن تحول دون تـنصل فرنسـا من تسـديد مستحقاتـنا من بيع الشعـير فحسـب، بـل سـتمنـع تكـرار حـادثة المروحـة ـ لا قدر الله ـ في حال ما إذا ثمـل الفرنسيون بالبيرة الجزائرية وركبوا رؤوسهم وقرروا الامتناع عن الدفع كما فعلوها ذات يوم  بعد أن أتخمهـمْ قمحـنا الذهبي “وكم تـتخـم الصدقات اللئاما”!  

لقد تنبأت فرنسا ـ ساركوزي أن العلاقة بين البلدين ستكون أحسن مما هي عليه برحيل جيل الثورة، وأكـد “كوشون” خارجيتها أن الكثير مضى ولم يبق إلا القليل حتى ينتهي صداع الرأس الذي يسببه جيل محمد الشريف عباس والسعيد عبادو ولم تنفع معه كل أنواع المسكنات.. لكن الفتح المبين للشعير الجزائري، الذي سيغزو فرنسا من شاطئ مرسيليا، سيوضع في النهاية على الموائد الفرنسية بيرة ًخالصة سائغة  للشاربين، وسيختصر الطريق حتماً للإسراع في توقيع معاهدة الصداقة التي طال انتظارها مع طول أعمار جيل الثورة الذي لم يكن واردا في حسابات »ماريان«، رغم ما ذاقه هذا الجيل من عذاب نـكــر يعمي الأبصار ويقصر الأعمـار! 

أي سوء طالع أيها السادة؟ أنا لا أخفيكم أنني تشاءمت فعلاً من أن يكون أول منتوج نصدره لـ “الخارج” من مشتقات القمح، ذلك أنني أخشى، نظرا لجودة الشعير الجزائري، أن يستحيل  بيرة ًرفيعة  تـثمـل فرنسا بها فتتلكأ فعلاً عن تسديد مستحقاتنا من الشعير ونموت كمدا وغيضا، لأننا لن نجد بيننا “دايا” آخر يبرد لنا قلوبنا، فيصفع القنصل الفرنسي بمكيف هواء، بعد أن انقرضت طينة الداي حسين من البلاد، وولى عهد استعمال المراوح إلى الأبـد!  

 فاصل قصير:

حكاية الداي وحفظناها عن ظهر قلب، وحكاية المروحة وشاهدنا انعكاسها على مرآة حمدان خوجة، والمفروض أننا أخذنا العبرة وحفظنا الدرس، لأن المؤمن لا يمكن أن يلدغ من جحر مرتين وبنفس مادة اللدغ.. ولذلك لم أكن أتمنى أبدا أن نفكر في تصدير مشتقات القمح لـ “الخارج”، لأنني أخشـى أن يعيد التاريخ نفسـه  فيتحمل شعير 2010 م المسكين حالياً، ما تحمله من قبله قمح 1830 م المسكين سابقاً!

مقالات ذات صلة