الرأي

قمة بهوية أوروبية لافتراس إفريقيا

حبيب راشدين
  • 5922
  • 3

تُفتتح اليوم بأبيدجان (ساحل العاج) القمة الخامسة بين الأفارقة والأوروبيين، والأولى بين الاتحادين: الإفريقي والأوروبي، في أجواء خيم عليها الصراع بين المغرب والجمهورية العربية الصحراوية حول مشاركة الجمهورية في القمة بوصفها البلد العضو المؤسس للاتحاد الإفريقي على قدم المساواة مع المغرب الوافد الجديد، فيما اشتغل الطرف الأوروبي على وسم هوية القمة بـ”الملفات الأمنية والهجرة” ويخفي الرغبة في استعادة ما أضاعته أوروبا لصالح الصين والولايات المتحدة الأمريكية.

لا شك في أن الاستنفار المغربي على أعلى مستوى لمنع حضور الجمهورية العربية الصحراوية قد استنزف كثيرا من الوقت والجهد، كان يفترض أن يُستثمرا في بناء موقف إفريقي موحد، يناضل لفرض أجندة جديدة على مثل هذه اللقاءات التي تتعامل خلالها القوى العظمى مع القارة السمراء بذهنية استعمارية متعالية، وفي أحسن الأحوال تتعامل معها كسوق واعدة لصرف بضاعتها، أو كمصدر تهديد، بوصفها “موطنا بديلا” لما يسمى بالإرهاب، وأول مصدر للهجرة غير الشرعية.

دول الاتحاد الأوروبي ما زالت تحتل الصدارة بأكثر من 33 % من صادرات القارة و41% من وارداتها، وتسيطر على ثلث الاستثمارات الخارجية في القارة، أغلبها موجه إلى استنزاف الثروات الباطنية (محروقات ومعادن ثمينة وذهب وألماس وأحجار كريمة) ولم يكن لها أدنى دور في مساعدة القارة على بناء المنشآت القاعدية المهيكِلة للاقتصاد، المساعِدة على فك العزلة، وتشجيع التبادل الإفريقي البيني.

وعلى المستوى السياسي والأمني، لا تزال الأقطاب الاستعمارية في أوروبا تتعامل مع أجزاء من القارة كحدائق خلفية وحميات، مثل ما تفعل فرنسا مع دول غرب إفريقيا، ولها حضور عسكري لا يختلف عن نظيره الاستعماري قبل ستينيات القرن الماضي، وكان لها دور متنام في تغيير رؤساء الدول، وتسيير المسارات الانتخابية، وحماية كرزاياتها في المنطقة، وهي اليوم طرف وازن في النزاع القائم بين المغرب والجمهورية العربية الصحراوية، وتشتغل في منطقة الساحل على تثبيت صراعات مسلحة مستدامة. 

وحتى مع التسليم بأهمية الأشواط التي قطعها الاتحاد الإفريقي في اتجاه تحسين الموقف التفاوضي للقارة، فإن مخلفات الحقبة الاستعمارية، واستفراد الدول العظمى بتحديد خياراته الاقتصادية، وتفضيل المبادلات الثنائية غير المتكافئة، وقبول كثير من الدول الإفريقية بفتح أراضيها لتوطين قوات عسكرية أجنبية، مثل “أفريكوم” الأمريكية بالسنغال، والقوات الفرنسية بدول الساحل ووسط إفريقيا، تمنع اليوم المراهنة على قدرة الاتحاد الإفريقي على تعديل بوصلة الشراكة مع الغرب كما مع الاقتصاديات الناشئة في دول الـ”بريكس”.

أمام القارة فرصة تاريخية لا تُعوَّض بوصفها السوق العذراء الوحيدة المتبقية ـ ولعقود قادمةـ لإعادة إنعاش الاقتصاد العالمي، مع ما تعرفه من نمو ديموغرافي هائل، وبأجيال فتية مقبلة على التعليم كما على الاستهلاك، لن تقوى الحدود أو الحواجز الأمنية على منعها من الهجرة أو من الانخراط في المسارات الإرهابية العدمية، ما لم تقبل الدول المعنية بهذا النوع من التهديدات على المساهمة الجدية في تمكين دول القارة من التأسيس لتنميةٍ مستدامة، تحتاج في المقام الأول إلى استثمارات بمئات المليارات لبناء المنشآت القاعدية (طرق، وسكك حديدية، وموانئ ومطارات، وشبكات لتوصيل الكهرباء) تحضر الدول الإفريقية لاستيعاب استثمارات محلية أو أجنبية قادرة على خلق تنمية متوازنة تثبِّت الساكنة، وتصرف الشباب الإفريقي عن دروب الهجرة أو عن الانخراط في المسارات العدمية.

مقالات ذات صلة