الرأي

قمة للمعتمرين وأخرى للمتآمرين

حبيب راشدين
  • 5856
  • 26

لو أن سيد المرسلين شهد العشر الأواخر من هذا الشهر الفضيل، لكان التفت يمينا إلى قمة الملايين من المعتمرين من أمته، وقد أعطوا للعالم مشهدا روحانيا استثنائيا، لكان ابتسم مثل آدم، قبل أن يلتفت شمالا إلى قمة ولاة أمر المسلمين، وهم يتآمرون على بعض المسلمين، فكان منه ما كان من آدم وهو يلتفت إلى الضالين من نسله

نهاية شهر رمضان المبارك توجت بقمتين إسلاميتين: الأولى كانت للصفوة من المسلمين الذين من الله عليهم بأداء شعائر العمرة، فجاءوا من كل فج عميق، ليملؤوا المسجد الحرام ومحيطه بأكثر من خمسة ملايين معتمر ومعتمرة من جميع الأجناس والأعراق والأعمار، والثانية كانت لولاة أمر المسلمين أو لممثلين عنهم   من     57 دولة إسلامية، لبوا دعوة خادم الحرمين الشريفين لما سمي بالقمة الاستثنائية لمنظمة التعاون الإسلامي الداعمة لقضية القدس الشريف.

.

مليونيات المعتمرين وفلول المتآمرين

القمتان جاءتا في وقت عصيب تمر به الأمة الإسلامية، والعربية منها تحديدا، بمزيد من التشرذم والاقتتال البيني، والسير في دروب الفتن، والتكالب الأعمى على السلطة، ودخول بعضهم في موالاة آثمة مع خصوم وأعداء الأمة، وقد يستشعر منهما المسلم الحيران بعض الأمل، وكثيرا من السخط والغضب على ولاة الأمر والنخب وقادة الرأي.

فالقمة الأولى لعامة المؤمنين، جاءت هذا العام بمشاهد روحانية استثنائية، يفترض أنها تلقي الرعب في قلوب أعداء المسلمين، وهم يتابعون كل ليلة قيام أكثر من خمسة ملايين مسلم ومسلمة، في صفوف منتظمة متراصة، متوجهين بقلوب خاشعة إلى الباري عز وجل، يتابعون تلاوة القرآن وهم على قلب رجل واحد، ولا يسع الملاحظ من الخارج سوى الشعور بالرهبة من هذا الجمع المنتظم المنظم، المتآخي بلا حاجة إلى سلطة قاهرة، سوى ما تفرضه الرهبة من سر المكان وجلال رب المكان، ثم يستشعر الملاحظ مقدار القوة الروحية التي تؤلف بين الملايين من المسلمين في هذا الشهر العظيم.

نفس الملاحظ يكون قد انتقل لمتابعة القمة الإسلامية الاستثنائية الثانية التي دعا إليها خادم الحرمين، تحت عنوان شريف: البحث في سبل توحيد كلمة المسلمين، والتقريب بين مذاهبهم، فيما زاحمه الرئيس الإيراني بمقترح أشرف وأنبل، يهدف إلى تأسيس هيئة إسلامية لبحث النزاعات واستباق الفتن التي تعصف بالمسلمين.

.

“قمة المعتمرين من المؤمنين جاءت هذا العام بمشاهد روحانية استثنائية، يفترض أنها تلقي الرعب في قلوب أعداء المسلمين، وهم يتابعون كل ليلة قيام أكثر من خمسة ملايين مسلم ومسلمة، في صفوف منتظمة متراصة”

من تحرير القدس إلى تهويد الشام

غير أن عنوان الدعوة لقمة منظمة التعاون الإسلامي لم يكن سوى حق يراد به باطل، حين نكتشف أن هدف القمة الاستثنائية الوحيد والصريح، هو انتزاع إجماع إسلامي حول قرار تجميد عضوية دولة عربية مسلمة، سبق للعرب أن جمدوا عضويتها من جامعة الدول العربية استجابة لأملاءات الولايات المتحدة، وليس بدافع نصرة الشعب السوري.

جموع المؤمنين في المؤتمر الأول، وقد قدمت إلى بيت الله الحرام وهي مجردة من الانتماءات العرقية والأهواء المذهبية والقومية والقطرية، ومن الحسابات الضيقة التي تشتغل عليها النخب الإسلامية، كان يفترض أن تشكل ضاغطا على القادة المسلمين، تحفزهم على البحث بجدية عن سبل أخرى غير الإقصاء، والدفع ببلد مسلم، مصاب بالفتنة، إلى زاوية ضيقة لا مخرج منها إلا بالاقتتال المستديم المدمر، وبانتصار فريق من المسلمين على فريق آخر، واحتماء فريق من المسلمين بقوة غاشمة من غير المسلمين كما هو حال فريق السلطة في سورية وفريق المعارضة.

.

طلاق بائن مع إصلاح ذات البين

وحيث أن جامعة الدول العربية قد فشلت من قبل في التصدي للأزمات والفتن بما يفي بالحد الأدنى من واجبات منظمة إقليمية، أسست على مبدأ الدفاع المشترك، والتعاضد بين الدول والشعوب العربية، فإنه كان يعول على منظمة التعاون الإسلامي أن تضطلع بالمهمة، وأن تبادر في وقت مبكر إلى تأسيس هيئة لإدارة الأزمات واستباق الفتن، كما دعا إلى ذلك الرئيس الإيراني، واقترب منها على استحياء خادم الحرمين الشريفين، يكون دورها مستلهم من الآية الكريمة: “وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”

فمما لا شك فيه أن أغلبية الشعب السوري مسلم، وله على بقية المسلمين حق النصرة، على وجه ما دلت عليه الآية في فض النزاعات بين المسلمين، وأنه كان يفترض من ولاة أمر المسلمين أن يتحركوا في وقت مبكر لمنع الاقتتال بين الفئتين، عبر عمل مؤسسي واضح، مخلص من الأهواء ومن تداخل مصالح الدول الضيقة، يقترب من زعماء الفئتين، ويلزمهم أولا وقبل كل شيء بوقف الاقتتال، ثم بالجلوس إلى طاولة الحوار، والاحتكام إلى شريعة المسلمين، التي تحرم قتل النفس بصيغة العموم كما في نص الآية: ” مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ..” وحرم قتل النفس المؤمنة بصيغة التخصيص بنص الآية: ” وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وقد وجب على المسلمين بموجب نص الآية الأولى، البحث عن سبل تكفل إصلاح ذات البين، قبل الشروع في نصرة هذا الطرف أو ذاك.

.

عنوان القمة الاستثنائية لمنظمة التعاون الإسلامي لم يكن سوى حق يراد به باطل، حين نكتشف أن هدف القمة الاستثنائية الوحيد والصريح، هو انتزاع إجماع إسلامي حول قرارتجميد عضوية دولة عربية مسلمة

أجناؤها ولاة أمورها

فهل كانت هذه هي سيرة القادة المسلمين في ما ابتلينا به من اقتتال بيني، سواء في لبنان، أو السودان، والجزائر، والعراق، والصومال، وأفغانستان، وليبيا، وهذا القتل الأعمى في ربوع الشام؟ الجواب الحاضر يفيد أن قادة الأمة الإسلامية كانوا في معظم هذه الفتن جزءا من الفتنة وليس جزءا من الحل.

أقطاب القمة الاستثنائية ثلاثة: البلد المضيف الخادم للحرمين الشريفين، وتركية الأردوغانية التي شرفت برئاسة أمانة منظمة مؤتمر التعاون الإسلامي، وقطر التي تسخر ما أنعم الله به عليها من ثروات لتمويل الفتن في ربوع العالم العربي، حتى يقسم المقسم من العالمين العربي والإسلامي إلى إمارات بحجم عقلة الأصبع، والثلاثة مورطون بمستويات متفاوتة في كثير من الفتن التي عددنا بعضها أعلاه.

قد يتجاوز المسلمون عن الدور الذي أوكل لإمارة قطر، من حيث أنها إمارة واقعة بالفعل تحت الاحتلال الأمريكي، وتبعات احتضانها لأكبر قاعدة عسكرية أمريكية خارج التراب الأمريكي، لكن مسؤولية الدولة التركية بقيادة إخوان أردوغان، ومسؤولية المملكة العربية السعودية هي على قدر حجم ومكانة دولتين إسلاميتين كبيرتين، يتوقع منهما المسلمون سياسات غير هذه السياسات المدمرة لمقدرات الشعوب العربية والإسلامية.

وحتى مع التجاوز على الدور التركي، بحكم ارتباط الدولة التركية بمعسكر حلف النيتو المسيحي الصهيوني، فإن المسلمين من القمة الأولى، ومن أمثالهم في ربوع العالم الإسلامي، لن ييأسوا من ترقب قيام دور آخر لقيادة بلد الحرمين الشريفين، آملين أن ينتبه خادم الحرمين الشريفين، إلى أن شرف احتضان السعودية للحرمين الشريفين وخدمتهما، تلزم المملكة العربية السعودية واجبات ومسؤوليات تجاه المسلمين، تتجاوز ما هو مطلوب من باقي الدول الإسلامية، وتلزم قيادتها بناء سياسة أصيلة، تضع على رأس أولوياتها ما دعا إليه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله،لصالح التقريب بين مذاهب المسلمين درءا للفتن الذهبية، وتضطلع على الدوام بمسؤولية قيادة جهود إصلاح ذات البين، كما جاء في المقترح الإيراني، وليس الاصطفاف لصالح هذا الطرف أو ذاك.

.

البحث عن خادم لأمة الحرمين

وقد يكون من الواجب على العقلاء من قادة السعودية ونخبها، البحث عن بناء هذا الدور الشريف الذي يليق ببلد الحرمين الشريفين، وأن ينتبهوا إلى مصدر القوة الناعمة التي أنعم الله بها على هذا البلد، وقد خصه الله ببيته الحرام، وبخاتم النبيين وسيد المرسلين، وجعله بلدا آمنا تلبية لدعاء خليله أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام بنص ألآية الكريمة “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ…”

فقد كان بوسع خادم الحرمين، وهو يفتتح المؤتمر الاستثنائي لقادة المسلمين، أن يلقي بنظرة إلى جموع المؤتمر الأول، ليكتشف طبيعة القوة الناعمة التي تتمتع بها المملكة، والتي فشلت نخبتها حتى الآن في تسخيرها لصالح المملكة، كما لصالح المسلمين كافة.

فالمملكة العربية السعودية ليست بحاجة، لا إلى الأموال الطائلة التي منّ الله بها عليها من خيرات باطن الأرض، ولا إلى بناء قوة عسكرية من الخردة الغربية تلاعب بها دول الإقليم، كما ليست بحاجة إلى طلب حماية أجنبية من معسكر غربي، هو في عداء مع المسلمين منذ معركة اليرموك ثم فتح بيت المقدس، لأن حماية هذا البلد هو بالضرورة مسؤولية كافة المسلمين، الذين لن يترددوا في الدفاع عنه بالأموال والأنفس.

فالبلد الذي استقبل هذا العام خمسة ملايين معتمر، ويستقبل سنويا أكثر من ثلاثة ملايين حاج، مع كل القيود المفروضة ونظام الحصص، لا تحتاج معه المملكة إلى المجازفة بأرض الحرمين الشريفين في صراعات إقليمية، أو الدخول في أحلاف وموالاة غير المسلمين، بل إنه من الخطر أن يجز به في أي صراع، قد يعرض الأرض ومقدسات المسلمين إلى التهديد، وربما إلى الاحتلال لا سمح الله، كما حصل مع بيت المقدس، الذي حولت مهمة تحريره من قبل عموم المسلين إلى بعض الدول العربية، قبل أن يقول بعضهم للفلسطيني أذهبوا أنتم وربكم فقاتلوا إنا هاهنا قاعدون.

قديكون من الواجب على العقلاء من قادة السعودية ونخبها، البحث عن بناء دور شريف يليق ببلد 

الحرمين الشريفين، وأن ينتبهوا إلى مصدر القوة الناعمةالتي أنعم الله بها علىهذا البلد الآمن”

.

كرزايات من العرب لتحرير القدس

الدعوة إلى هذه القمة الاستثنائية لمنظمة أنشئت خصيصا للدفاع عن أولى القبلتين وثالث الحرمين، كان ينتظر منها أن تفي بالمهمة التي أسست لأجلها المنظمة، بتحميل كافة الدول الإسلامية وشعوبها مسؤولية الدفاع عن القدس، وتحرير موطن إسراء الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس الانحراف بمن حضرها من قادة الدول الإسلامية إلى تجميد عضوية بلد مسلم مثل سورية، يبقى الجبهة الوحيدة التي قد ينبعث منها مسار تحرير القدس، حين تتوفر الإرادة عند عموم قادة المسلمين، أم أن خادم الحرمين تراه يعول على كارازاي أفغانستان، ونسخه التي بدأت تتعدد في الصومال، وتونس، وليبيا، ومصر، والسودان، والعراق؟ أم يعول على قطر القاعدة الجوية الأمريكية؟ أو على البحرين: القاعدة البحرية الأمريكية؟ أم على الإمارات: القاعدة البحرية الفرنسية؟ أم على جزر القمر الواقعة تحت الإحتلال الفرنسي؟ أم على الصومال الغارقة في فتن الاقتتال البيني وآفة الجوع؟ أم على باكستان النووية التي تستبيح سيادتها يوميا طائرات الدرون الأمريكية؟ وجميع هؤلاء القادة حضروا القمة الإسثنائية لنصرة القدس، فيما غيبت عنها سورية، بل إنما كانت الغاية من القمة، انتزاع قرار تجميد عضوية سورية، وتسخيره كغطاء إسلامي آخر قد يوظف لتمرير عدوان غربي آخر على بلد عربي ومسلم، دفع عشرات الآلاف من أبنائه في الحروب الأربعة مع العدو الصهيوني، وكان قلعة صمود وتصدي لجميع الحملات الصليبية منذ القرن الحادي عشر.

في حديث الإسراء والمعراج جاء: أن الرسول صلى الله عليه وسلم وجد في السماء الأولى سيدنا آدم، وقد اصطف على يمينه وشماله نسمه، فكان كلما ألتفت إلى من اصطف على يمنيه من نسمه المؤمن ابتسم، وكلما التفت إلى من هم على شماله تجهم وجهه وانقبضت أساريره، ولو أن آدم عليه السلام حضر مع من حضر بيت الله الحرام في العشر الأواخر من هذا الشهر الكريم، لكان التفت إلى يمينه قبل جموع المسلمين من المعتمرين فابتسم، ثم التفت إلى شماله قبل جموع قادة وولاة أمر المسلمين ليتجهم وجهه وتنقبض أساريره

مقالات ذات صلة