قهرنا العدو بـ” كسرة” يابسة وشربة ماء
قهرنا العدو بـ”كسرة” يابسة وماء، هذا ما صرح به عمي علي المجاهد الذي أبى إلا أن يشاركنا ذكرياته الأليمة الخاصة بشهر رمضان إبان ثورة التحرير، وهي الذكريات التي تعود إليه كل ما جلس على طاولة الإفطار المزينة بمختلف أنواع الطعام بمنزله الكائن ببلدية برج منايل شرق ولاية بومرداس، في وقت كان هو ورفاقه يختمون أيام رمضان خلال الحرب بقطعة “كسرة” وجرعات ماء كانت كفيلة بأن تمد أجسادهم الهزيلة بقوة يغذيها إيمانهم بقضيتهم وإيمانهم بالنصر الذي كان يتضاعف أثناء الشهر الفضيل.
عمي علي بن تورة من مواليد 1941 بمنطقة الغيشة ببرج منايل التحق بالجهاد وعمره لا يتجاوز 12 سنة عندما كان يعمل على نقل المؤونة، الألبسة والرسائل للمجاهدين باعتباره ينحدر من عائلة ثورية، فأمه المجاهدة خطاب الزهرة بدورها كانت تأوي ببيتها بمنطقة الغيشة كبار المسؤولين إبان الثورة التحريرية مثل الكولونيل عميروش وكريم بلقاسم ومحند أولحاج وذلك بمعية أخيها المجاهد خطاب اعمر وهو ما عرضها للتعذيب لـ 15 يوما كاملا لم تقر خلالها بأي معلومة من شأنها خدمة فرنسا، وهي البيئة التي شجعت علي بن تورة على الانخراط في صفوف جيش التحرير.
وقد فتح لنا عمي علي قلبه ليروي لنا كيف كان يقضي مجاهدو حرب التحرير شهر رمضان وهم بالجبال والغابات، بل ويخوضون معارك طاحنة ضد العدو الفرنسي وأحيانا ضد جيش الخونة الذي كان يترصد لعمي علي وزملائه الناشطين بإقليم باليسترو (الأخضرية حاليا) وبوزقزة بالناحية الرابعة والتي قال بشأنها محدثنا إنهم كانوا يعملون حسابا لجيش الخائن بلونيس الذي كان يترصدهم أكثر من الجيش الفرنسي نفسه وهو ما كان يزيد من صعوبة مهمة هؤلاء ومن مشقة شهر الصيام.
يقول عمي علي إنه وفي سنة 1960 حيث كان وقتها يبلغ من العمر 19 سنة، تصادف شهر رمضان المبارك مع فصل الربيع وقد كان آنذاك ينشط بالكتيبة العثمانية تحت قيادة الرائد سليمان بجبال بوزقزة وباليسترو أو الأخضرية حاليا، فقال إن الشهر الفضيل وقتها كانت له لذّة خاصة لا يشعر بها إلا المجاهدون كونه كان يقوي إيمانهم وعزيمتهم على النصر والاستقلال، فقد كانوا، حسبه، يكثرون من التسبيح وترديد السور القرآنية التي يحفظوها، وقد كنا يقول محدثنا نجابه عدونا بعد صيام يوم طويل وإفطار قليل يتمثل في الكسرة والماء يؤمنها لهم المسؤول عن المؤونة بعد التنقل للمدينة أو دشرة يجود أهلها ببعض الطعام للمجاهدين المرابطين بالجبال، ولم يكن بإمكانهم، يقول، الجلوس مجتمعين للإفطار بل كان كل واحد منهم يفطر على حدة حتى لا يفرط في مهمته ومكانه أو مواصلة السير لبلوغ وجهتهم.
اقتداء بصحابة بدر
ولكون شمس الربيع تكون حارقة أحيانا فقد كان عمي علي ورفاقه ينتظرون غروب الشمس أو الاستعانة بساعة أحدهم للإفطار وتناول شربة ماء يروي بها هؤلاء ظمأ المشي لكيلومترات متنقلين من منطقة لأخرى. ولكون العدو الفرنسي كان يزيد من حدة معاركه خلال شهر رمضان فإنه وللتصدي له كان لا بد للمجاهدين من الإفطار وهي الفتوى التي أجازت إفطار المجاهدين وقتها يقول عمي علي. وعن الأيام التي كان المجاهدون يحظون بطعام خلال شهر رمضان فكانت عندما يمرون بإحدى المداشر التي يصر أهلها على أن يبيت هؤلاء عندهم وبالتالي الإفطار لديهم والظفر بوجبة دافئة تمدهم بطاقة يخزنونها للأيام العجاف التي تليها. وعن المعركة الضارية التي خاضها عمي علي ورفاقه ضد الجيش الفرنسي وانتصروا فيها خلال رمضان من سنة 1960 فإنها وقعت بجبال بوزقزة وأوقعوا عشرات القتلى والجرحى وسط جيش العدو، وهو الانتصار الذي لم يمح من ذاكرة عمي علي الذي يشبه المعركة دائما بغزوة بدر التي انتصر فيها جيش المسلمين على قريش في الشهر الفضيل. ورغم كل المعاناة التي واجهها عمي علي على مدار سنوات فإن ملفه لا يزال عالقا ولم تسو وضعيته بعد.