قهوة سي موح.. اشرب وروح!
من المصائب الكُبرى، أن يرحل نحو 22 وزيرا، دون حساب ولا عقاب ولا حتى عتاب، فقد غادر هؤلاء بالجملة والتجزئة حاملين صفة “صاحب المعالي”، دون أن يقدّموا حصيلتهم وأرقامهم، ودون أن يستلموا كشوف نقاطهم، وهذه وحدها تكفي لتأكيد المثل الشعبي الشهير القائل: “قهوة سي موح اشرب وروح”، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم!
لقد كره المواطن من تلك المشاهد “الاحتفالية”، و”الزرد” الاستعراضية، في برتوكولات تسليم واستلام المهام بين السابقين واللاحقين من الوزراء، دون أن يقدّم المغادرون أوراقهم للرأي العام، قبل المغادرة، ودون تقديمها أيضا لمصالح الحكومة التي كان عضوا فيها، اللهمّ إلاّ إذا كانت هذه الأخيرة تمارس التعتيم وتخفي ما قدّمه لها وزراؤها الراحلون!
هل يُعقل أن تتحوّل الحكومة إلى “قهوة سي موح”، يشرب فيها الوزير ثم “يروح”، قبل أن يخضع للجرد والتقييم، سواء من قبل رئاسة الجمهورية، التي عيّنته ثم أنهت مهامه، أو من طرف برّ-لمان الذي يبدو أنه هو الآخر بنوابه في حاجه إلى “محاكمة”، طالما أنه أصبح “لا يحكّ ولا يصكّ”!
خروج كلّ الوزراء كالشعرة من العجينة، هو مهزلة بكلّ المقاييس، فلو كانت الحكومات المتعاقبة جادة وجدّية في تعاملها مع الجزائريين، ومع ضميرها، لأخضعت الفاشلين من الوزراء والعاجزين، إلى المحاسبة، ومعاقبة المتورّطين في ضرب مصالح المواطنين، كلّ وزير حسب قطاعه، علما أن هناك قطاعات شعبية عشّش فيها سوء التسيير و”البريكولاج”!
هل من اللائق والعدل، أن يُغادر وزراء مكروهون ومنبوذون ومغضوب عليه ومن “الضالين”، دون أن يُحاسبوا، أو على الأقل يعتذرون، وهم من عاثوا “فسادا” وتسيّبا وإهمالا وعبثا، في قطاعات حيوية وحسّاسة، جعلوا منها لعدّة سنوات “مسخرة” يلعبون ويتلاعبون بها “بلا حشمة”، وكانوا يضعون في آذانهم الحجر حتى لا يسمعون إلاّ صوتهم المزعج؟
عيب وعار على الوزراء الذين “خربوها” و”خلاوها”، ثم أطلوا على الجزائريين عبر صفحاتهم الفايسبوكية في خطب وداع بائسة ومستفزة وملوّنة بألوان الخداع والالتفاف، بينما كان المطلوب منهم، الاعتراف بالأخطاء والخطايا، والاعتذار، وذلك أضعف الإيمان، عله يخفّف عليهم ذنوبهم المتراكمة نتيجة الاستهتار و”الهفّ” والاحتيال والكذب!
لقد غادر المغادرون وفي حقائبهم غنائم وزارية وامتيازات ومعاش منتفخ مضروب في عشرات المرّات للأجر الأدنى المضمون الذي يتقاضاه عامّة الموظفين والعمال كبقشيش لا يسمن ولا يغني من جوع، بينما كان من المفروض أوّلا، الخضوع إلى “الاستنطاق” ليأخذ كلّ ذي حقّ حقّه، عملا بمبدأ “ما لقيصر لقيصر، وما لله لله”.. وما للشعب للشعب!